لم يكن الإتفاق النووي بين واشنطن وطهران في أي مرحلة من مراحله السابقة مجرد تفاهم تقني يتعلق بمستويات تخصيب اليورانيوم أو آليات الرقابة والتفتيش، بل كان منذ البداية انعكاسًا لصراع أوسع وأعمق يتعلق بموازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط وبطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
ولذلك فإنّ السؤال الحقيقي اليوم لا يتمثل في ما إذا كان الطرفان قد توصلا إلى تفاهم مؤقت أو دائم، بل في ما الذي سيأتي بعد الإتفاق؟ وكيف سيتغير شكل الصراع بينهما؟ ومن الذي خرج من الجولة الأخيرة بأكبر قدر من المكاسب السياسية والإستراتيجية؟
على امتداد العقود الماضية، حاولت واشنطن احتواء إيران عبر مزيج من العقوبات والضغوط السياسية والعسكرية، فيما سعت طهران إلى تعزيز مكانتها الإقليمية وتطوير عناصر القوة التي تتيح لها مواجهة الضغوط الخارجية وفرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة.
ومن هنا فإنّ الملف النووي لم يكن سوى أحد تجليات هذا الصراع الطويل، وليس جوهره الكامل، فالقضية الأساسية بالنسبة للولايات المتحدة تتمثل في منع ظهور قوة إقليمية قادرة على تحدي نفوذها التقليدي في الشرق الأوسط، بينما تنظر إيران إلى برنامجها النووي باعتباره جزءًا من منظومة الردع والسيادة الوطنية والقدرة على التفاوض من موقع القوة.
الجولة الأخيرة من المفاوضات والتي وصل فيها الطرفين إلى اتفاق، كشفت أنّ الطرفين وصلا إلى قناعة مشتركة مفادها أنّ كلفة المواجهة المباشرة أصبحت أعلى من كلفة التفاهم المؤقت، فواشنطن تُدرك أنّ أي تصعيد عسكري واسع قد يفتح أبواب المنطقة على موجة جديدة من الإضطرابات الأمنية والإقتصادية، خصوصًا في ظل التحديات الدولية الأخرى التي تواجهها.
وفي المقابل تُدرك طهران أنّ استمرار العقوبات بالوتيرة الحالية يفرض ضغوطًاا كبيرة على الإقتصاد الإيراني ويحد من قدرتها على الإستفادة من موقعها الجيوسياسي ومواردها الطبيعية، وهو ما لا تتحمله ولذلك من مصلحتها التوصل لإتفاق دائم.
وعلى الرغم من أنّ كل طرف يُقدم نفسه بأنه المنتصر في الجولة الأخيرة التي توصلوا فيها لإتفاق، فإنّ القراءة الموضوعية تُشير إلى أنّ المشهد أكثر تعقيدًا من منطق الربح والخسارة المباشرين، فقد نجحت واشنطن في إعادة البرنامج النووي الإيراني إلى دائرة التفاوض والرقابة ومنعت الوصول إلى نقطة اللاعودة التي كانت تثير مخاوفها ومخاوف حلفائها.
وفي الوقت نفسه استطاعت طهران أنّ تفرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاهله، وأنّ تنتزع اعترافًا عمليًا بضرورة التفاوض معها باعتبارها قوة إقليمية مؤثرة تمتلك أوراق ضغط متعددة، وبذلك يمكن القول إنّ المنتصر الحقيقي في هذه الجولة ليس طرفًا واحدًا، بل منطق إدارة الصراع بدلًا من الإنزلاق إلى المواجهة المفتوحة.
غير أنّ أهمية الإتفاق لا تكمن في بنوده الحالية بقدر ما تكمن في ما يمكن أن يقود إليه مستقبلًا، فالمفاوضات المقبلة لن تكون سهلة أو سريعة، لأن الملفات الأكثر حساسية لم تُحسم بعد، بل جرى تأجيلها إلى مرحلة التفاوض حول الإتفاق الدائم.
وتبقى قضية التخصيب في مقدمة هذه الملفات، حيث تُصر إيران على حقها في الإحتفاظ ببرنامج نووي سلمي داخل أراضيها، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى فرض قيود طويلة الأمد تحول دون إمكانية تحويل هذا البرنامج إلى مشروع ذي أبعاد عسكرية.
كما تُمثل آليات التفتيش والرقابة إحدى أكثر القضايا تعقيدًا، إذ تريد القوى الغربية نظامًا صارمًا يضمن الشفافية الكاملة، في حين تنظر طهران إلى بعض المطالب الغربية باعتبارها مساسًا بسيادتها الوطنية، ويضاف إلى ذلك ملف العقوبات، الذي يُشكل جوهر المصالح الإيرانية في أي إتفاق نهائي، حيث تسعى طهران إلى الحصول على رفع ملموس ومستدام للعقوبات ينعكس على الإقتصاد والإستثمار والتجارة الخارجية، بينما تربط واشنطن أي تخفيف للعقوبات بمدى التزام إيران بالتعهدات النووية وبآليات التحقق الدولية.
لكن التحدي الأكبر أمام أي إتفاق دائم لا يتعلق بالجوانب التقنية بقدر ما يتعلق بأزمة الثقة العميقة بين الطرفين، فإيران لا تزال تستحضر تجربة الإنسحاب الأمريكي من الإتفاق السابق وما ترتب عليها من خسائر سياسية وإقتصادية، فيما تخشى الولايات المتحدة الأمريكية من أنّ تستخدم طهران أي تخفيف للضغوط من أجل تعزيز قدراتها ونفوذها الإقليمي.
يبدو أنّ الصراع الأمريكي الإيراني يدخل مرحلة جديدة تختلف عن المراحل السابقة، فبدلًا من التركيز الحصري على الملف النووي، تتجه الأنظار نحو شكل التوازن الإقليمي الذي سيتشكل خلال السنوات المقبلة، فالإتفاق المحتمل لن يُنهي التنافس بين الطرفين، ولن يُزيل التناقضات العميقة في رؤيتهما للمنطقة، لكنه قد يُؤسس لقواعد جديدة لإدارة هذا التنافس بحيث يبقى ضمن حدود يمكن التحكم بها.
ومن هنا فإنّ الحديث عن نهاية الصراع يبدو مبالغًا فيه، بينما تبدو فكرة إعادة تنظيم الصراع وإدارته بصورة أكثر استقرارًا الأقرب إلى الواقع.
إنّ ما يجري اليوم لا يمثل نهاية أزمة، بل بداية مرحلة سياسية وإستراتيجية جديدة ستتحدد ملامحها وفق قدرة واشنطن وطهران على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى ترتيبات أكثر استدامة، وبينما يُراقب العالم مسار المفاوضات المقبلة، يبقى السؤال الأهم ليس ما إذا كان الإتفاق الدائم سيولد أم لا، بل ما إذا كان الطرفان قادرين على بناء توازن جديد يسمح لهما بالتعايش مع خلافاتهما بدلًا من السعي إلى حسمها، فجوهر الصراع بينهما لم يكن يومًا حول اليورانيوم وحده، بل حول النفوذ والقوة ومستقبل النظام الإقليمي بأكمله.