مع أول طلقة في الحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران انبعث محنكوها ومفتوها للإجابة عن سؤال: هل يشارك الحوثيون في المعركة؟ ومع مرور الأيام وتوالي الضربات واحتدام الوطيس، استلحقوا استفهامهم الأول بـ”أين أنصار الله؟ ولماذا لا يشاركون في الوغى؟”.
هو السؤال حُرُم؟ يقول أحدهم، قطعاً لا، فليس الإشكال في ما طرح وأكثر منه، وليس هذا ما تروم السطور التالية التعمن فيه، تقديماً لطرح مترو يستقرئ دروس ما بعد انقشاع غبار النزال، أو هكذا نأمل، دونما انحيازات مسبقة تغلق باب الفهم والتمحيص على أمل الوصول إلى إجابة لسؤال لم يطرح رغم مركزيته، تحديداً ما سر رمزية المساهمة العسكرية للجماعة اليمنية؟ صاروخ هنا وطائرة مسيرة هناك، بينما أسرفت في التهديدات بإغلاق باب المندب، ما جعلها الغائب الحاضر منذ بداية الأحداث.
حسناً هذه ليست “عركة في خمارة” أو “خناقة شوارع” كما يقول المثل الشعبي، ولا مانع من شرح سياقه لمن لم يمر عليه في الأفلام والمسلسلات المصرية، فالمقصود به حالة الفوضى العارمة في مشاجرة جماعية غير منظمة، ظن البعض أنها ما يجري في الإقليم غافلاً عن كونها حرباً منظمة لها تصور عملياتي وتوقيتات تفعيل مبنية على تكتيكات واستراتيجيات، وقدرات وإمكانيات للمعنيين بها، فلسنا أمام طهران ما إن تنادي “وا محوراه” أو “لنقم قومة رجل واحد”، حتى يتداعى لها أركان ما يسمى بمحور المقاومة.
نعم فالسر في التوقيت والتعقيد ومدى الخطر المحدق، فلئن امتدت الحرب أكثر وأسفر الحصار الأميركي عن خطر جيوسياسي يخنق الجمهورية الإسلامية، وقتها فقط تلقي بورقة مضيق باب المندب في مواجهة خصومها وأصدقائها، فيا روح ما بعدك روح، فضلاً عن أن جميع الأطراف قد تأثروا بإغلاق مضيق هرمز سلباً، فكيف يمكن للاقتصاد العالمي احتمال تكرار المشهد في البحر الأحمر وإخراجه هو الآخر عن العمل ممراً استراتيجياً حيوياً على رأسه قناة السويس؟ إنه الخنق التام للدول العربية الخليجية بالأساس، ثم المطلة عليه، بما يهدد مواردها الأساسية ويفشل محاولاتها لتقليل أثر الحرب على اقتصادياتها، ووقتها ربما كان انخراطها في الحرب سيتحول من الدفاع إلى الهجوم بما يزيد من الضغط على طهران المثخنة.
ثم إن للحرب دورة حياة كما يقول الخبراء العسكريون، أولها يبدأ بتصاعد التوتر أو ما قبل الأزمة، وثانيها اندلاعها، وبعدها محاولة كل طرف استنزاف الآخر والقضاء على الخصم، أي توسع الصراع، وعندما يفشل القوي، وهنا هو أميركا وإسرائيل، يدخل المسار إلى ما يسمى بمرحلة النضج لتصبح التسوية أقرب بما أن الكلفة أخطر، ومما يتبين عقب توقيع مذكرة التفاهم أن إيران كانت حساباتها أكثر دقة، وتمكنت من التنبؤ بمآلات وتوقيتات أطوار وأشواط القتال، فتمكنت من المرور إلى مرحلة التسوية والتفاوض دون خسارة ورقة باب المندب، ولعلها ستستخدم بقوة إن نكص الأميركي على عقبيه لدى محاولة الوصول إلى اتفاق نهائي أو أثناء تنفيذ ترتيبات إعادة الإعمار.
بالمقابل، قذف الأميركي سريعا كل ما في جعبته من أجل مشهد ترامبي هوليوودي، قصف فيه خصمه بأعتى الأسلحة مدمراً كل ما جاء على خاطره حتى لو كان مدرسة أطفال، وهي معضلة كثيراً ما تواجه جيوشاً من تلك النوعية، إذ تنفذ بنوك الأهداف سريعاً، وبالفعل حدث هذا مع الجيشين الأميركي والإسرائيلي خلال حربهما على المنطقة مراراً وتكراراً، فكان التهديد بإبادة حضارة وتدمير أهداف مدنية كمحطات الطاقة لإعادة إيران إلى العصر الحجري، وحتى اليوم يسرف الرئيس الأميركي في القول إنه سيقصف إيران بكل قوة وكأن أحداً منعه خلال تلك الأيام الثقال من القيام بذلك، على العكس تماماً من الاستراتيجية الإيرانية المبنية على التدرج والمرحلية والحفاظ على الأوراق الاستراتيجية وعدم استخدامها مرة واحدة في مقابل التفوق الساحق للخصم.
يعني ما سبق أن للمفاجأة دورها وأهميتها العسكرية، فالتهديد بإغلاق باب المندب شيء وانتظار تخمر الظروف المواتية للفعل شيء آخر، فبعد إنهاك الجميع والضغط على الاقتصاد العالمي وتدمير مفهوم الهيمنة الأميركية باعتبارها حامية التجارة الحرة وحارسة المضائق، يصبح قرار وقف إغلاق البحر المتوسط تأكيداً لمعادلة التصعيد في مقابل التصعيد، ويفاقم من ثقوب المظلة الأمنية الاستراتيجية التي كان يفترض أنها تحمي المنطقة، بما يشكل تحولاً في النظرة السائدة إلى الولايات المتحدة باعتبارها حليفاً موثوقاً من اتبع دربه لا يضل ولا يشقى أمنياً واستراتيجياً، وبالتالي صار نفوذ طهران في اليمن ورقة ضغط بحري إضافي كامنة، ربما تستخدم للمقايضة من أجل فرض رسوم على السفن المارة في هرمز، لتلعب جماعة الحوثي دور الاحتياط الاستراتيجي بما يمنح طهران بدائل وخيارات مستقبلية، بعدما وصف الرئيس ترامب دورها الخطير في تصريحات سابقة قائلاً “الحوثيون لديهم قدرة كبيرة على تحمّل العقاب، يمكن القول إنهم أظهروا شجاعةً كبيرة. لقد دمّروا الكثير من السفن”.
إنها الحرب وليست “ببجي – PUBG”.