اخبار

غزة بعد الهدنة.. ألف شهيد يفضح هشاشة الضمانات الدولية

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
غزة بعد الهدنة.. ألف شهيد يفضح هشاشة الضمانات الدولية

رغم دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ على أمل وقف نزيف الدم وحماية المدنيين في قطاع غزة، إلا أن الواقع الإنساني ما يزال يسجل أرقاماً صادمة تعكس استمرار المأساة. فبحسب معطيات ميدانية متداولة، ارتقى أكثر من ألف فلسطيني منذ بدء الهدنة، في مشهد يثير تساؤلات واسعة حول فاعلية الاتفاقات الدولية وقدرتها على توفير الحماية للمدنيين.

أكد المحلل السياسي محمد شاهين في تصريحات خاصة لـ”شبكة رؤية الاخبارية” الخميس 18 يونيو 2026، أن استمرار سقوط الضحايا يمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام الدولي وآليات إنفاذ القانون الدولي الإنساني.

ألف شهيد يختبرون مصداقية المجتمع الدولي

قال شاهين إن سقوط أكثر من ألف شهيد فلسطيني خلال فترة يفترض أنها مخصصة لوقف إطلاق النار لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خرق عسكري عابر، بل يعكس أزمة عميقة في منظومة الضمانات الدولية التي يفترض أن تحمي المدنيين أثناء النزاعات.

وأضاف أن هذا الرقم الصادم يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى الاتفاقات السياسية إذا كانت عاجزة عن صون حياة المدنيين ومنع استمرار استهدافهم، مؤكداً أن القضية لم تعد تتعلق فقط بالخسائر البشرية، بل بمصداقية النظام الدولي بأكمله.

وأشار إلى أن المجتمع الدولي يبدو عاجزاً عن الانتقال من مرحلة الإدانة اللفظية إلى اتخاذ خطوات عملية تفرض الالتزام بالاتفاقات، في ظل استمرار الخلافات السياسية داخل مجلس الأمن وتغليب مصالح الدول الكبرى على متطلبات العدالة الدولية.

الضغوط المطلوبة لوقف الاستهداف والانتهاكات

وأوضح شاهين أن الحكومات لا تغير سياساتها استجابة للنداءات الأخلاقية وحدها، وإنما عندما تصبح تكلفة استمرار تلك السياسات أعلى من تكلفة التراجع عنها، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحرك وفق حسابات سياسية وأمنية معقدة ترتبط بمستقبله السياسي والضغوط الداخلية والدعم الخارجي.

وأضاف أن أي تحول حقيقي في السلوك الإسرائيلي يتطلب بناء منظومة ضغط دولية متعددة المستويات، تشمل العزلة الدبلوماسية وربط العلاقات السياسية والعسكرية بمدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

وأكد أن تفعيل أدوات المساءلة القانونية الدولية يمثل عاملاً أساسياً في هذا المسار، من خلال توثيق الانتهاكات وتقديم الأدلة والملفات القانونية أمام الجهات القضائية المختصة لمحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.

معركة الرواية والشرعية الدولية

وبيّن شاهين أن إسرائيل تعتمد في تسويق روايتها على استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة المشهد بما يسمح بتقديم نفسها في موقع الدفاع عن النفس بدلاً من موقع المساءلة، مؤكداً أن الحروب الحديثة لا تقتصر على المواجهة العسكرية فقط، بل تشمل معركة شرعية ورواية أمام الرأي العام العالمي.

وأضاف أن الخطاب الإسرائيلي يرتكز على توسيع مفهوم التهديد الأمني، واستخدام مفردات قانونية وإعلامية مرتبطة بالضرورة العسكرية، إلى جانب توظيف الأدوات الدبلوماسية والإعلامية لتثبيت روايته للأحداث قبل وصول رواية الضحايا إلى المجتمع الدولي.

وأشار إلى أن التاريخ يثبت أن امتلاك القوة العسكرية لا يضمن بالضرورة الانتصار في معركة السردية، إذ تبقى قدرة الضحايا على توثيق الحقائق وتحويلها إلى ملفات قانونية وإنسانية عاملاً مؤثراً في تشكيل الرأي العام العالمي.

الصمت الدولي وأزمة تنفيذ القانون

ورأى شاهين أن الصمت الدولي تجاه الانتهاكات اليومية لا يعكس غياب المعرفة بما يجري، بل يرتبط في كثير من الأحيان بحسابات المصالح السياسية وتوازنات القوى والتحالفات الدولية.

وأضاف أن النظام الدولي يمتلك منظومة قانونية متطورة من حيث النصوص والاتفاقيات، إلا أنه يواجه أزمة حقيقية عندما يتعلق الأمر بتنفيذ تلك النصوص على أرض الواقع، خاصة في القضايا التي ترتبط بدول تحظى بدعم سياسي من قوى كبرى.

وأكد أن الانتقائية في تطبيق القانون الدولي تؤدي إلى تراجع الثقة بمنظومة العدالة الدولية، وتضعف من قدرة المؤسسات الدولية على الحفاظ على هيبتها ومصداقيتها أمام الشعوب.

تهديد مباشر لمستقبل الاتفاقات السياسية

وأوضح شاهين أن أي اتفاق سياسي يقوم أساساً على الثقة وآليات الإلزام، وأن استمرار التنصل من الالتزامات دون وجود تكلفة سياسية أو قانونية حقيقية يهدد بإفراغ الاتفاق من مضمونه العملي.

وأضاف أن غياب الضمانات الفاعلة لتنفيذ الالتزامات ينعكس سلباً على فرص نجاح أي مفاوضات مستقبلية، إذ تتراجع ثقة الأطراف بجدوى التوقيع على اتفاقات لا تجد من يضمن احترامها.

وأشار إلى أن استنزاف الثقة بين الأطراف المتفاوضة يجعل الوصول إلى تسويات طويلة الأمد أكثر صعوبة، ويدفع المنطقة نحو مزيد من الاتفاقات الهشة والتوترات المتكررة.

توثيق الضحايا وتحويل الأرقام إلى أدوات ضغط

وشدد شاهين على أن التعامل مع أعداد الضحايا باعتبارها مجرد إحصاءات يمثل خطأً كبيراً، مؤكداً أن كل رقم يجب أن يتحول إلى قصة إنسانية وشهادة موثقة يمكن الاستناد إليها قانونياً وإعلامياً.

وأضاف أن بناء أرشيف مهني يوثق أسماء الضحايا وظروف استشهادهم وأماكن الاستهداف والشهادات المرتبطة بكل حادثة من شأنه تحويل المعاناة الإنسانية إلى ملف متكامل قابل للاستخدام أمام المؤسسات الدولية والحقوقية والإعلامية.

وأكد أن المؤسسات الحقوقية مطالبة بالانتقال من مرحلة الرصد والتوثيق إلى مرحلة صناعة التأثير، عبر إعداد ملفات قانونية متماسكة وربط الوقائع الميدانية بالنصوص ذات الصلة في القانون الدولي الإنساني.

معركة الوعي العالمي وإبقاء غزة حاضرة

ولفت شاهين إلى أن الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة في تحويل الأرقام إلى قصص إنسانية مؤثرة قادرة على الوصول إلى مختلف الشعوب، موضحاً أن الصورة والشهادة الشخصية والتحليل القانوني تشكل أدوات فعالة في نقل الحقيقة إلى الرأي العام العالمي.

وأضاف أن التأثير الحقيقي لا يتحقق من خلال عرض الأرقام المجردة فقط، وإنما عبر تحويلها إلى سردية إنسانية وقانونية متماسكة تخاطب الضمير العالمي بلغة الحقوق والقانون وحماية المدنيين.

وختم شاهين بالقول إن معركة غزة اليوم لا تقتصر على الأرض والحدود، بل تمتد إلى معركة الوعي وتعريف قيمة الإنسان في النظام الدولي المعاصر، متسائلاً عما إذا كانت حياة الإنسان تحظى بالقيمة ذاتها في كل مكان أم أنها ما تزال رهينة موازين القوة والحسابات السياسية.