اخبار

إحراق وجوه الباكستانيات… عقاب بلا رادع

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
إحراق وجوه الباكستانيات… عقاب بلا رادع

لم تستطع السلطات الباكستانية طوال سنوات ردع هجمات الأسيد التي تتعرّض لها النساء، إذ يسهل الحصول على المواد المستخدمة في الأسواق، ولا تُطبق العقوبات.

تتكرر الهجمات على النساء بالأسيد أو بما يعرف بماء النار في باكستان، ويصل عدد الضحايا إلى نحو 200 سنوياً. وفي 5 يونيو/ حزيران الجاري، تعرّضت طبيبة في المستشفى المركزي بمدينة كويتا، مركز إقليم بلوشستان، لهجوم بالأسيد أحرق جزءاً كبيراً من جسمها، والسبب أنها عاتبت أحد الموظفين وهددته بإقالته من العمل إذا استمر في التحرّش بالممرضات. 

وفي تفاصيل الواقعة، كانت الدكتورة ماه نور ناصر تعمل في المستشفى صباح 5 يونيو، حين طرق موظف يُدعى همايون شاه باب مكتبها، وحين فتحته هاجمها بالأسيد، فأحرق وجهها وبطنها ويديها. بعدها هرب الرجل من المستشفى ولاحقته الشرطة، فأطلق النار على رجالها الذين ردوا عليه وقتلوه، ونُقلت الدكتورة إلى مستشفى آغا خان التخصصي في كراتشي، حيث تخضع للعلاج. وقد أثار الحادث استياءً شديداً في أوساط الأطباء وعامة الناس، كما أن قتل الجاني في ظروف غامضة أثار تساؤلات كثيرة.
وكشف أطباء أن حالة الدكتورة ماه نور ناصر تتحسّن تدريجياً بعد نقلها سريعاً إلى كراتشي لتلقي العلاج، ما حال دون تعرض أعضائها الحيوية لأضرار جسيمة. وأشاد الأطباء بجهود حكومة بلوشستان في توفير النقل الجوي السريع، وأكدوا أهمية الاستجابة الطبية الفورية في حالات الطوارئ.
وتتطلب هجمات الأسيد تدخلاً طبياً عاجلاً وجراحات تجميلية معقدة، وتضطلع منظمات المجتمع المدني، مثل مؤسسة “الناجون من هجمات الأسيد”، بدور محوري في توفير الرعاية الطبية وإعادة التأهيل النفسي والمساعدة القانونية للناجيات.
يقول الدكتور جان محمد لـ”العربي الجديد”: “جرى التستر على دوافع الجريمة عبر قتل الجاني الذي كان يجب أن تعتقله قوات الأمن، والسؤال: لماذا أقدمت الشرطة على تصفيته؟”. 

لا أدلة على معاقبة ضالعين في الإعتداء بالأسيد في باكستان، نوفمبر 2024 (فرانس برس)

ويكشف جان أن طبيبات أخريات تلقين تحذيرات عبر الهواتف بالتعرض لهجمات بالأسيد في حال واصلن العمل، وهذه معضلة كبيرة تستدعي أن توليها الحكومة اهتماماً كبيراً، فهذا الأمر قد يدمر قطاع الصحة وحياة كثير من الطبيبات.
وتفيد إحصاءات أجرتها مؤسسات حقوقية بأن مئات النساء يتعرضن سنوياً لاعتداءات بالأسيد على وجوههن وأجسادهن في باكستان، في ظل غياب جهود الحكومات الباكستانية المتعاقبة لتوفير متطلبات الحماية المطلوبة، وأيضاً غياب قوانين الردع التي تمنع ذلك.
وتعاني الضحايا تأثير هجمات الأسيد نفسياً وجسدياً، وأيضاً اجتماعياً، والألم الذي يبقى غالباً هو الجسدي، إذ تعيش الفتيات بالتشوهات وآثارها حتى نهاية العمر. وتشير مؤسسة “الناجون من هجمات الأسيد” إلى أن معدلات النجاة من الموت بين الناجيات عالية جداً، لكنهن يواجهن مشكلات نفسية وجسدية وطبية كثيرة.
وعموماً تعد حوادث الاعتداء بالأسيد في باكستان وسيلة عقاب يمارسها الأزواج أو أحد الأقارب للحفاظ على “الشرف”، كما يزعمون، من خلال تشويه وجه المرأة التي يتهمونها بإلحاق العار بالأسرة. وهي تحدث أحياناً حين ترفض امرأة الزواج من شخص معيّن، وهو ما حدث مع بي نظير، الفتاة من سكان مدينة راولبندي المجاورة للعاصمة إسلام أباد، بعدما رفضت الزواج من ابن عمها الذي يعاني الشلل. وحصلت بي نظير على شهادة ماجستير في التربية والتعليم، وكانت تحلم بأن تكمل مرحلة الدكتوراه، لكن ابن عمها دمّر حياتها.
وتقول بي نظير لـ”العربي الجديد”: “كنت فتاة طموحة، وكانت أسرتي كلها تعتني بي وتعرف جيداً أن لدي أحلاماً وطموحاً، ودرست ليل نهار كي أنهي الماجستير، وكنت أستعد للالتحاق بمرحلة الدكتوراه، في حين لم أتوقع أن يخطبني ابن عمي المصاب بشلل منذ الطفولة، ولم يكمل الدراسة التي تركها في الصف الثامن، وكان لديه سيارة أجرة. وبطبيعة الحال، رفضت تزويجي منه بكل احترام، علماً أنني كنت مرتبطة بزميل لي وكنا نتوقع أن نتزوج في القريب العاجل. بعدها بدأ ابن عمي يُهدد الأسرة، ويقول إنه لا بدّ أن يتزوجني، وهو ما رفضه كل أفراد أسرتي. وقد حاول أن يتواصل معي لكنني رفضت الحديث معه. وفي أحد الأيام اتصل فأجبت وقلت له إنني لا أريد أن أتزوج منك، فهددني مجدداً وقطعت الاتصال. وفي 25 فبراير/ شباط 2025، حين كنت في طريقي إلى المعهد، نزل ابن عمي من السيارة وسار صوبي، فاعتقدت أنه يريد الحديث معي وسيكرر ما قاله عبر الهاتف، لكنه رش الأسيد على وجهي وجسمي وذهب، وظللت ملقاة على الأرض وأنا أصرخ”.

وتؤكد بيانات تصدرها مؤسسات معنية، من بينها مؤسسة ضحايا الاعتداء بالأسيد في باكستان، أن الظاهرة لا تزال تمثل أحد أخطر أنواع العنف ضد النساء. وسُجلت 180 حالة اعتداء بالأسيد على النساء عام 2024، و172 في العام التالي. وهكذا يراوح عدد الضحايا بين 170 و200 سنوياً، علماً أن الحكومة تؤكد أنها تتخذ إجراءات صارمة، لكن لا أرقام أو أدلة على معاقبة ضالعين في الاعتداء بالأسيد. وقد شددت الحكومة الباكستانية العقوبات القانونية على مرتكبي جرائم الأسيد، وأقرّ البرلمان قانون “السيطرة على الأحماض وجرائم الأسيد” الذي فرض عقوبة السجن 14 سنة على الأقل، وصولاً إلى السجن المؤبد ودفع غرامات مالية، لكن كل ذلك لا ينفع ما دامت المواد الكيميائية الحارقة لا تزال متوفرة بتكلفة منخفضة وفي متناول الأيدي في الأسواق، ويتفشى الفساد في أروقة أجهزة الأمن، لذا ثمّة حاجة ملحة إلى وضع آليات لتطبيق القوانين والقضاء على الفساد الموجود في المنظومة الأمنية.