اخبار

سحبُ الجنسية الكويتية… عقابٌ بأثر رجعي

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
سحبُ الجنسية الكويتية… عقابٌ بأثر رجعي

تُواصل السّلطات الكويتية سحب الجنسية من آلاف الكويتيين، ليتحوّلوا إلى مقيمين أجانب فوق الأرض التي أنجبتهم. بأي قلب تلفظ الأم أبناءها وتُلقي بهم إلى خانة الغرباء، بعد أن كانوا إلى الأمس “مواطنين صالحين” ليس على مواطَنتهم حرج؟

ولا تصبح لوائح المتخلّى عنهم مثار اهتمام المتابعين في الخارج، إلا حين تحمل أسماءً معروفة. فيعود الضوء ليُسلَّط على الظاهرة الفريدة، وعلى فداحة تخلي البلاد عن أبنائها، الذين بذلوا الغالي والرخيص من أجلها. ليس فقط المشاهير من بذل كل شيء، بل حتى المغمورون. مع أنه ليس من الضروري أن يقدّم المرء شيئاً لينتمي إلى ما ينتمي إليه بحكم كل شروط الانتماء، وأولها الولادة. فلا تشترط الأم أن يكون أبناؤها “موافقين” لمبادئها، لتحبّهم، أو أنجبتهم في ظروف “شرعية”.

عكس ما يحدُث في أماكن أخرى، حيث يطمح الناس في مواطَنة عالمية، وتلجأ دول إلى التجنيس لتعزيز الموارد البشرية مع ضعف نسب الخصوبة. فيما لا تُمانع أخرى منح جنسيتها لأبناء “الغرباء” من دون التحقيق في ظروفهم. على سبيل المثال، تمنح كندا الجنسية تلقائياً لغالبية المواليد على أراضيها بموجب مبدأ “حق الأرض”، ولهذا يذهب آلافٌ سنويّاً لإنجاب أبنائهم هناك، ليحمل هؤلاء الجنسية الكندية، ويعودون إلى بلادهم الأصلية، فقط لتكون لديهم حماية قانونية يستندون إليها. فهل على كندا أيضاً سحب الجنسية من الأطفال المولودين فيها؟ لأن الأهل هنا تحايلوا على القانون، وهم غير مقيمين فيها، بل تجدهم مسؤولين رفيعين في بلدانهم الأصلية.

أكثر من هذا، تحمي قوانين صارمة الأبناء من أخطاء آبائهم وطرقهم لاكتساب الجنسية. فهي قد تُرحِّل الأهل وتُبقي الأطفال المولودين فيها، رغم أنه قرار مجحف كذلك.

السبب الاقتصادي لسحب الجنسية، تقليل عدد المواطنين لتقليل مبالغ الدعم، غير وجيه. فحلّ مثل هذه الوضعية يعني اتخاذ حلول جذرية مختلفة، تحمي حقوق الإنسان أولاً، وتعيد النظر في قوانين العمل والضرائب والمساواة. وهو تحدٍّ تواجهه دول الخليج التي تتقاسم بما “يتيسّر” موارد البلاد النفطية مع المواطنين، والامتيازات المادية للاستفادة من الثروات الطبيعية التي تُتيحها لهم أرضهم، لأهداف اقتصادية وسياسية.

كيف يُعتبر محرومو الجنسية غرباء وهم أيضاً من جذور أرضها؟ وكل ما يولد على أرضها هو منها ولها. نعَم للثروات الطبيعية التي تُنتجها الأرض، لكن لا للبشر الذين تُنجبهم، ما لم يكونوا أباً عن جد من عهد الخيام في البلاد؟

في دول أخرى، يمكن للناس أن يولدوا في بلاد أجنبية، ويهاجروا إليها، ويأخذوا جنسيّتها، ويترشّحوا لحكمها بعدها بوقت قليل. إنهم أجانب منذ الأمس القريب، والآن يحكمون البلاد. يا لها من مفارقة! ومع أنه يمكن لأجنبي أن يقود مثل هذا المسار ليُضرّ البلد فقط. لكن القانون لا يعمل حسب النيات، بل هو قاعدة عامة مجرّدة لا تفترض سوء النية، أو قابليتها لأن تُستخدم ضد المصلحة العامة.

وفي وقت تنهج فيه دول عديدة سياسات خاصة في التجنيس لمواجهة زحف الشيخوخة الذي يتهدّد المجتمعات المتقدّمة، فتشجع الهجرة إليها، وتذهب أخرى أبعد، بانتقاء المواطنين الجدد، فتستقدم من هم في مثل لون بشرة المواطنين “الأصليين”، من خلفيات ثقافية قريبة من العرق الأبيض، مواطني أوروبا الشرقية، لمنع غلبة الأصول الأجنبية التي لا تُشبهها. مثلما تفعل فرنسا اليمين التي تمتعض من البشرة السوداء والسمراء والأديان الأخرى، ورغم هذا، لا تجرؤ على حرمانهم التجنيس لسوء سلوكهم.

يبدو سحبُ الجنسية فعلاً عقابياً أكثر منه سيادياً. حين يتصرف فرد ما بما يهدد بلاداً مُنحت له جنسيتها، يُمكن لها أن تجرّده من الجنسية التي منحته إياه والتي لم تأتِ بحكم الأمر الواقع، مثل الولادة فيها، بل هاجر إليها في وقت ما، وهنا القصد تهديد سلامة الدولة لا الأفراد. ربما لا تقصد السلطات الكويتية معاقبة المحرومين من الجنسية، لكنها فعلت هذا، وكان أقسى مما لو أنها قصدت ذلك. فالمواطنة ليست امتيازاً قابلاً للاسترداد.