اخبار

رصاصة طائشة

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
رصاصة طائشة

الموتُ واحد، ولكن له ألف طريقة. هكذا سوف تهمس لنفسك حين تقرأ خبراً مؤلماً ورد للتّو من غزّة، التي لا تزال الأخبار المفجعة تتوالى منها، وإن كان المخفي منها أكثر ألماً. إلا أن الخبر الجديد يكاد يكون صادماً هذه المرّة؛ فكيف لرجل أربعيني يجلس بين رفاقه في مقهى في شارع جانبي طويل في غزّة، أن تصل إليه رصاصة طائشة فتنهي حياته؟ كان الرجل الأربعيني يمازح رفاقه، وهم يضحكون على نكتة أطلقها بكل سخرية على الواقع الذي يعيشونه، وكانوا يقولون له، كما اعتدنا أن نفعل حين نسرف في الضحك: “الله يستر من كثرة ضحكنا يا أبا حسام”.

وهكذا أصابت الرصاصة الأربعيني، فلفظ أنفاسه بعد أن تجرّع أصحابه الصدمة قليلاً، وأفاقوا من ذهولهم، ونقلوه بأقصى سرعة إلى المستشفى، حيث مكث ساعات قليلة في قسم العناية الفائقة، حتى أُعلن عن وفاته. ولا يزال رفاقه الذين كانوا يجالسونه في حالة ذهول، فيما أضاف الجميع ممن بلغهم هذا الخبر طريقة جديدة للموت في غزّة، وهي أن تموت وأنت تجلس في مقهى جانبي بين رفاقك بسبب رصاصة طائشة أطلقتها رافعة عسكريّة من بعيد، وتحديداً من شرق مدينة غزة، حيث يمارس الجنود المتمركزون على الحدود الشرقية هواية مقيتة لتزجية وقتهم، إطلاق الرصاص العشوائيّ والطائش بلا سبب من الرافعات العملاقة؛ فتصيب وتخيب، لكنّها في النهاية تسبّب الرعب والخوف للسكان العزّل المنهكين ومعدومي الحيلة.

ذكّرتني هذه الطريقة التي قُتل بها هذا الرجل بقصة قصيرة لإحسان عبد القدوس، تم تحويلها إلى فيلم تلفزيوني “من أطلق هذه الرصاصة؟”، استحوذت على تفكيري طويلاً، وأنا أتخيّل كيف لعابر طريق أن يموت برصاصة طائشة أطلقها طفل صغير من بناية بعيدة، حيث كان يعبث بسلاح ناري لوالده المتوفّى. وكنت أتساءل: كيف يمكن أن تنتهي حياة إنسان نتيجة عبث طفل؟ وكيف يمكن أن تُلفَّق التهمة لشخص آخر كان قريباً من موقع الحادث؟ لكن الحقيقة تتكشّف في النهاية على يد محقّق شرطة نابه، إلّا أنّه لم يفصح عنها كي لا يوقع أمّ الطفل تحت طائلة العقوبة نتيجة لاستهتارها واحتفاظها بسلاح زوجها المتوفى وعدم تسليمه للجهات المختصة.

في حادثة مقتل الرجل الأربعيني في غزّة، لن يكون هناك محقّق نزيه ذو ضمير حيّ يسعى إلى كشف الحقيقة وتقديم الجاني إلى المحاكمة؛ فالجاني في هذه القضية ينفّذ مخطّطاً ماكراً ومنظّماً من أجل ترهيب المواطنين وترسيخ قناعة ثابتة وطاردة لديهم بأنّ لا مكان آمناً في غزّة. وعليك أن تتخيّل المسافة بين الحدود الشرقيّة لمدينة غزّة، وتحديداً في منطقة حيّ التفاح، وشارع الثورة، الذي يُطلق عليه أيضاً “شارع يوسف العظمة”. وهو ضيّق في منطقة مكتظّة بالسّكان، يقع تحديداً في منطقة الرمال الشمالية وسط المدينة، ويضم أحد أشهر مساجدها. وكان هذا الشارع حيويّاً بسبب اكتظاظه بالمحال التجارية والباعة الجائلين، ولذلك كان مكاناً لتزاحم أقدام المتسوّقين، لكنّه تحوّل إلى مكان لخيام النازحين في أثناء حرب الإبادة على القطاع، حيث يفترش الناس الأرض بخيامهم البالية، ما جعل هذا الشارع يتصدّر الأخبار بسبب تعرّضه للقصف، سواء من الرافعات العسكريّة البعيدة، أو من طائرات الاستطلاع المُسيّرة الصغيرة، أو بالصواريخ الموجّهة.

إذا كنت ستكرر السؤال نفسه مستنكراً: من أطلق هذه الرصاصة الطائشة؟ فيجب أن تعرف أنها ليست حادثة عابرة؛ فضحايا الرصاص الطائش يتساقطون كل يوم، ليس في مدينة غزّة وحدها، بل حتى في وسط القطاع، وصولاً إلى محيط شارع صلاح الدين. ويجب أن تتأكّد أنّ الموت القاهر لا يزال مستمرّاً هناك بكل الطرق، ولو برصاصة طائشة انطلقت من رافعة عسكرية بعيدة.