من مخرجات تكنولوجيا الاتصال والتواصل الجديدة؛ خطابات توجيه السلوك وتعديله، وبناء شبكات العلاقات وترميمها، ومهارات النجاح والتطوير، ورعاية وتنمية الطفولة.
وقد جذب انتشار هذا المسلك التواصلي التكنولوجي في منشأه الأصلي الغربي، اهتمام ورغبة من انتبه إلى قدراتها التأثيرية الهائلة في إنسان المرحلة الحضارية الجارية؛ “الإنسان الشبكي”؛ ونتائجها السلوكية والعقلية، والنفسية، وعوائدها الأدبية والمادية.
فأضيف للساحة الإعلامية الجديدة والتقليدية، والنشاط الثقافي للمجتمع المدني، والنشاط الدعوي الإسلامي، عالم بلا حدود مما تعارف عليه البشر قبلها. فبزغ مشهد تواصلي تنداح مساحاته بمقاييس الحركة في المجتمعات الراكدة حضاريا أسرع مما ألفت، وبمعايير الوسائل وخصائصها أبطأ من سلحفاة عجوزٍمعمرة.
لكن على كل حال، هذه المجتمعات المتكاسلة بجوار الحضارة التي اخترقت حواجز الزمن المعروفة، أخذت تئن إلى جانبها بما تعتقده إصابة من هذا العالم بحظ. لذا فكل حركتنا تندرج في هذا ” الحظ” الذي تنطق به الإحصاءات؛ فالمحتوى العربي على الإنترنت يتراوح غالبًا بين 1٪ و5٪ من إجمالي المحتوى العالمي. وبالنسبة للعالم الإسلامي 5٪ إلى 10٪ من إجمالي المحتوى العالمي بصورة تقريبية وغير رسمية.
فأفرز هذا ” الأنين” فيما أفرز قوالب تواصل جديدة في أشكالها ومضامينهاومحتوياتها، في مجال التغيير الثقافي والسلوكي والاجتماعي المدني والتربوي، والوعي الإسلامي، من خلال التنمية والتطوير الذاتي، والقيادة، والاستشارات الأسرية، والنفسية والسلوكية،والبرمجة العصبية واللغوية، وإطلاق ملكات الإنسان كالطاقة والتوجيه الإسلامي. فانتشرت الدورات التدريبية في كل ما له صلة بهذه العناوين الكبرى في كينونة الإنسان؛ مفردا وجمعا. يُستخدم في ممارساتها؛ الدورات الحضورية والافتراضية، وتُعزز بمحتويات تكميلية عبر حسابات شخصية عبر وسائط التواصل .
كما نشأت آلاف الحسابات لمنشئي محتويات التوجيه؛ والإرشاد، والدعوة، ومعالجة المشكلات النفسية والسلوكية والاجتماعية، أكثرها يركز على ” العلاقات” في كل دوائرها؛ على أساس أنها أهم جاذب للاهتمام، والشعور الإيجابي والسلبي، وتحديد المواقف، وتقرير المصائر أحيانا كثيرة .
نقصر حديث المقال على صنّاع المحتويات المتخصصين والهادفين لتقديم خدمات جليلة للتغيير والبناء والتعديلات السلوكية والفكرية والتعبدية { بالمعنى الواسع لمفهوم العبادة في الإسلام وهو أن كلّ عمل أو سلوك من المسلم يتوفر على شرطين هما : النية والمشروعية، فهو عبادة أي كامل مجالات الحياة}. والتنمية الفكرية والتعليم، والتطوير الذاتي وإعادة شد خيوط شبكة العلاقات الاجتماعية. لاشك أن هذا الصنف من المحتوى هو الأوفر صلة بإعادة البناء الحضاري للأمة، وفق معادلتها المشروطة للنجاح أو الإخفاق في الدارين؛ التي هي : حضارة = تفعيل الخصائص الأمة الإسلامية ومقوماتها وفق شروط المرحلة الحضارية.
لذا تُطرح هذه الأسئلة: أ. ما مركز الأمة النفسي والاجتماعي في دوائرها :{الفردية والأسرية والمجتمعية، والوطنية} من القسمات الكبرى لطرف المعادلة المستهدف بحديثنا ؟ ب . ما هو الركن الأعظم الذي تُقّيم على أساسه تلك “المحتويات”. جـ .ما الشرط الأعظم لمحتويات تسهم في إعادة بعث حضاري وفق شروط المرحلة الحضارية، في مشهدها العالمي { وأتجنب استخدام كلمة ” الكوني”؛ لأنها افتراء على الحقيقة، وانتفاش الإنسان في لحظات العُجْبِ والغرور} .
أما مركز الأمة عموما وشعبنا الجزائري كونه المعنى بالمقال، نفسيا واجتماعيا ومقوماته الحضارية والثقافية فهو بحمد الله وفضله، رسوخ الإسلام في مكونات شخصيته التاريخية الباطنة التي تأوي منابض حياته ومزاجه، والإسمنت الذي تتراص به سلوكه النفسي والعاطفي والوجداني، ويوجهان عمله سلبا وإيجابا، كمالا ونقصا. وبلغة انتربولوجية وثقافية واجتماعية، هذا ما جعلها بوابة سلسة لمنشئي المحتوى الذين هم جزء من بيئته المستهدفة. ولذا يمضى الحديث مثمرا أيضا. فما يقال هنا يحتاج لفهمه وتفسيره وتحليله وجوبا لدراسات علمية، بحسب مناهج كل علم ذي صلة بالحديث.
أما الركن الأعظم الذي تُقّيم على أساسه تلك “المحتويات”؟ فالمعايير الحضارية حازمة في تَعَيُّنِه؛ فهو “العلم” بميادينه ومجالاته وتخصصاته، في سياقه الحضاري؛ الذي يقضي بأن يُبنى كل محتوى على قواعده وأصوله ومخرجاته ونتائج بحوثه.
فما هو حال المحتوى على ضوء هذا الركن الأعظم؟ يزخر المحتوى بالمعلومات والبيانات والأسانيد والمقولات والمخرجات العلمية والمعرفية. لكنه محتوى منقول من الكتب والمواقع، يكيف ويرتب ويعد لدوارات تدريبية. فهل هذا مسلك علمي حقيقي يغذي هذا المنشط الواسع العميق بما يساهم في إعادة بناء شعب وجمهور ونشء، وفق السياق الحضاري للعلم والتنمية والتطور، والدفع نحو حجز المكانة؟ دون تردد نقول لا؛ فحسب بعض الإفادات البحثية فإن الذي يميز دورات التنمية البشرية في الغرب عن مثيلاتها في العالم العربي في عدة جوانب تتعلق بالمنهج، والمرجعية، وطريقة التقديم، ودرجة الارتباط بالعلم. لكن الفروق ليست مطلقة؛ ففي الجانبين توجد نماذج قوية وأخرى ضعيفة.
أبرز ما يميز كثيرًا من الدورات الغربية:
1. الارتباط الأكبر بالبحث العلم؛ فغالبًا ما تُبنى البرامج الجادة هناك على نتائج دراسات النفسية، والعلوم السلوكية، والعلاج المعرفي السلوكي وعلم التحفيز واتخاذ القرار لذلك تجد تركيزًا على: التجارب القابلة للقياس، تغيير السلوك تدريجيًا، أدوات عملية ومتابعة نتائج بينما في العالم العربي تنتشر أحيانًا دورات يغلب عليها الخطاب الحماسي أو الوعظ أكثر من البناء العلمي.
2. التخصص الدقيق: في الغرب توجد برامج منفصلة وواضحة: في القيادة وإدارة الوقت والذكاء العاطفي وعلاج القلق ومهارات التواصل والإنتاجية أما عربيًا فكثير من الدورات تمزج كل شيء تحت عنوان عام.
3. تقليل الوعود المطلقة: المدارس المهنية الغربية عادةً تتجنب عبارات مثل: غيّر حياتك خلال أيام” أطلق الطاقة الكونية” استخرج قدراتك الخارقة”؛ لأنها قد تُعد ادعاءات غير قابلة للإثبات بينما في بعض السوق العربي تنتشر لغة المبالغة والتسويق العاطفي.
4. وجود معايير مهنية أوضح: كثير من المدربين في الغرب يكونون أخصائيين نفسيين، ومدربين معتمدين، وباحثين أكاديميين، وأصحاب خبرة مؤسسية، أما عربيًا فمجال التنمية البشرية مفتوح جدًا، وقد يقدّم الدورات أشخاص بلا خلفية علمية متخصصة.
5. التركيز على المهارة لا “التحول السحري: المنهج الغربي غالبًا يقول: تعلّم مهارة ـ مارسها ـ كررها ــ قِس النتيجة. أما بعض الخطابات العربية فتميل إلى فكرة:غيّر أفكارك وستتغير حياتك بالكامل”دون التركيز الكافي على البيئة، والظروف، والعمل التراكمي.
6. ومع ذلك، توجد نقاط قوة في العالم العربي أيضًا:ربط التنمية بالقيم والأخلاق والدين، مراعاة السياق الاجتماعي والأسري العربي. والحقيقة أن الفكرة الأساس لهذه الإفادة كانت تدور في ذهني، وأحد الدوافع للكتابة في الموضوع.
يضاف لها المعطيات المعرفية والعلمية الآتية: وبناء على أن الشق الأعظم من دورات التنمية البشرية يدور حول القضايا النفسية والسلوكية؛ فإن واقع المعرفة والعلم فيها يفيدنا بتنوع فروعه الأساسية تتراوح بين 15 و25 فرعًا رئيسيًا، ومن أهمها: علم النفس التربوي، علم النفس الاجتماعي يدرس تأثير المجتمع والجماعات على الفرد، علم النفس التنموي (النمائي) يدرس تطور الإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة، علم النفس المعرفي يركز على الذاكرة والانتباه والتفكير واللغة، علم النفس العصبي، يدرس العلاقة بين الدماغ والسلوك، علم النفس الفسيولوجي، يبحث في الأسس البيولوجية للسلوك، علم النفس الإرشادي يساعد الأفراد على حل المشكلات الحياتية والتوافق النفسي، علم النفس الثقافي يبحث أثر الثقافة والعادات في السلوك الثقافي، علم نفس الشخصية يدرس أنماط الشخصية والفروق الفردية، علم النفس التربوي الخاص، يهتم بذوي الاحتياجات الخاصة وصعوبات التعلم، علم نفس الطفل يركز على نمو الطفل النفسي والعاطف.
فإذا أضفنا للفروع تكييفها بالتركيبة النفسية والفكرية والمعتقد والخبرات المكتسبة حضاريا وثقافيا بالرصيد المعرفي الشرعي والأعراف السليمة والممارسات الأخلاقية السوية اجتماعيا، فإن الحكم يشتد على تلك الدورات التدريبية تبعا لثقل المهمة. فلا يسوغ القول: نحن نحاول ونجتهد بإخلاص لنساعد في التنمية البشرية؛ لأن المولى تعالى خلق الإنسان وأودع فيه قواعد ومفاعيل الحركة والسلوك والفكر والشعور؛ من أقوى مؤثراتها البيئة الحضارية بأوسع دلالاتها؛ من الأبوين إلى الدورة الحضارية السائدة الأقوى تأثيرا وهيمنة. والتعامل معه يحتاج إلى إبداع علم ومعرفة السياق الحضاري؛ وهذا سر عبقرية سبق ابن خلدون بإبداع علم العمران الأرحب مجالا ودلالات من الاجتماع، بل إننا نجد بذوره وجذوره في القرآن الكريم والسنة الشريفة وفعل الصحابة رضي الله عنهم، وفي مناهج الاستنباط في الفقه الإسلامي الباذخ؛ مما يعد موجهات لفكر ومعرفة اجتماعية ونفسية للمجتمع الإسلامي في طور بنائه أو إعادة بنائه معرفيا وعلميا. فالتدرج في بعض الأحكام، وفهم بعض الخصائص التشريعية، كشرب المسكر والناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم يخبر فيما يخبر به من الحكمة مراعاة انتقال المكلفين {الأفراد والمجتمع والأمة} من وضع إلى وضع، وإجابات الرسول صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال عند الله تعالى تتنوع تنوع ثراء ومراعاة حال السائل، لا تناقض، كما يعرف جهلة الهدي النبوي. وإجابة سيدنا عبد الله بن عباس من جاء يسأل عن توبة القاتل، إن له توبة، وإجابة غيره مرة أخرى، ليس له توبة. فسئل عن الاختلاف هنا وهناك، فأجاب أن الأول قتل وبدا عليه الندم، يريد التوبة، أما الثاني فبدا عليه التحضير للقتل. أما الفقه الإسلامي فهو استنباط الحكم من الأدلة الشرعية بقواعد الاستنباط المعروفة، ولذا اعتنى الفقه الإسلامي بثروة فقهية قانونية لا نظير لها في أي فكر قانوني. وتأتي الفتوى السند الرئيس لفعل المكلف، بتكييف الحكم حسب معطيات موضوعه.
أما ممارسات دورات التنمية البشرية في الأغلب الأعم وفي أحسن أحوالها، فهي اجتهادات تجميع وتكييف وترتيب وتقديم وفق مهارات أو غرائز شخصية .
كما يلاحظ أن كثيرا من الممارسين في دورات المهارات والتكوير الذاتي، والإرشاد الأسري ومشكلات الطفولة والمراهقة، من الناحية الميدانية يبنون تشخيصاتهم وأحكامهم وحلولهم لشتى المشكلات بناء على الحالات والعينات التي يتواصلون معها، عبر مكاتبهم أو دوراتهم أو غيرها. لكن السؤال الكبير جدا ما حكم هذا المسلك، وفق قواعد البحث العلمي ومناهجه وتقاليده التي استقر عليها؟ يقينا أنه لا يعترف بمسالكهم، ولا يقرها؛ لأن المبدأ بديهي وبسيط في مملكة البحث العلمي؛ فدراسة أي مشكلة أو حالة أو ظاهرة تستدعى عملا علميا مضنيا، ومناهج متطورة ووقتا كافيا تحتاجه النتائج، فضلا عن التحكيم والتجريب ثم الاعتماد، وكل هذا لا يمكن ممارسته إلا عبر مؤسسات أكاديمية بحثية، ومخابر علمية.
يضاف لهذا أن المشكلة النفسية فضلا عن الاجتماعية الواحدة في تصنيفها معرفيا وعلميا، قد تكيف معالجاتها حسب الواقع والسياق الثقافي والعقائدي والاجتماعي، أذكر كتابا هاما اطلعت عليه منذ عقود “يتناول ما وصفه بعلم النفس عبر الحضاري” يعد أول كتاب باللغة العربية يستكشف مجال علم النفس عبر الحضارات، يبدو أنه يشير إلى هذا المعنى. كذلك رأي عبرت عنه باحثة غربية { للأسف لا أذكر اسمها الآن }، يعبر مباشرا عن الفكرة المشار إليها، بوثوق علمي ومعرفي. يؤكد هذا الاتجاه ما اجترحته أوساط علاجية في الولايات المتحدة الأمريكية في علاج حالات مرضية نفسية وعصبية، بمراعاة ثقافة ومعتقدات المريض أو المُرَاجع؛ من بينها ما رأته هيئة صحية في التعامل بنجاح مع امرأة أمريكية مسلمة، من الضروري أن تكون مدركة ومراعيًة للجوانب الدينية والثقافية للقضية. في هذه الحالة بالذات، تغلّب العلاج النفسي الموجه دينيًا على العديد من الحواجز.
فقد رأوا أنه يجب على أولئك الذين يعملون مع المسلمين الملتزمين دينياً التفكير في نهج متكامل روحياً يلعب الإسلام دورًا مهمًا في حياة العديد من المسلمين؛ حيث يوفر لهم إطارًا شاملاً يؤثر على نظرتهم للعالم؛ نظرًا لأن العديد من المعالجين يواجهون عملاء مسلمين، يجب إيلاء اعتبار خاص فيما يتعلق بأهمية دور الإسلام في حياتهم وكيف يربط هذا المسلمين بمجتمعهم. بغض النظر عن المشكلات الجوهرية المتعلقة بالصحة العقلية التي يواجهها المسلمون … يجب على أطباء الصحة العقلية تعديل تدخلاتهم لتناسب احتياجات عملائهم بشكل أفضل. قد يساعد سؤال العملاء مباشرة عن قيمهم وتفضيلاتهم، بدلاً من وضع افتراضات، في تقوية الرابطة العلاجية وتطوير خطة علاج أكثر فعالية دينياً وروحياً وثقافيا.
لذا فأثر المؤثرات وبالتالي البحث للوصول إلى معالجات وحلول قد يمتد إلى تنوع البيئات وأعراف وثقافات المجتمعات الإسلامية؛ فإذا اتحدت الحلول في القواعد العامة والمبادئ الأساس خاصة منها المستنبطة والمدعومة من القران الكريم والسنة الصحيحة، فإن الحلول لا بد أن تطلب في سياقاتها حسب الملمح الحضاري للمجتمع والبيئة وغيرها من عوامل ا التي تنشأ الحالة أو المشكلة في بيئتها .
يتبع