اخبار

إلغاء محطة جنيف.. هل أخفق الاتفاق الأمريكي الإيراني في اختباره الأول؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
إلغاء محطة جنيف.. هل أخفق الاتفاق الأمريكي الإيراني في اختباره الأول؟

وضعت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، بعد توقيعها إلكترونيًا، النظام الإيراني أمام اختبار سياسي مبكر، بعدما انتقلت الأزمة سريعًا من مرحلة تثبيت النص عبر الوسطاء إلى اختبار قدرة طهران على تحويل التوقيع إلى التزامات تنفيذية واضحة.

ووفق البيان السويسري السابق للإلغاء، كان من المقرر عقد محادثات أولية في اجتماع بورغنستوك في سويسرا لبحث تنفيذ الاتفاق.

إلا أن وزارة الخارجية السويسرية أعلنت، لاحقًا، أن محادثات الجمعة “لن تُعقد”، بعد إعلان البيت الأبيض تراجع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عن السفر للقاء المفاوضين الإيرانيين.

وسبق ذلك تأجيل زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى سويسرا، بعد اكتمال التوقيع الإلكتروني على المذكرة، وفق الرواية الباكستانية الخاصة بترتيبات الوساطة.

ودفع إلغاء المحطة السويسرية مرحلة التنفيذ نحو اختبار مبكر لمستوى التفويض الإيراني، وطبيعة الوفد، والجهة القادرة داخل طهران على إصدار التعليمات الأولى في ملفات الملاحة عبر مضيق هرمز، والتواصل الفني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وضبط الجبهات الإقليمية.

اختبار لإيران

وقال مصدر دبلوماسي أمريكي في سويسرا، مطلع على ترتيبات اجتماع جنيف، إن “واشنطن أبلغت الوسطاء أن حضور الوفد الإيراني إلى سويسرا يجب أن يستند إلى صلاحيات عملية، وأن الفريق الأمريكي طلب قبل الاجتماع أسماء أعضاء الوفد الإيراني، والجهات المخولة باعتماد خطوات التنفيذ الأولى في ملفات الملاحة عبر هرمز والتواصل الفني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.

وأضاف المصدر  لـ”إرم نيوز”، أن “واشنطن طلبت من الوسطاء الحصول على أجوبة محددة قبل الموعد الذي كان مقررًا لمحادثات بورغنستوك بشأن مستوى الوفد الإيراني، وحدود تفويضه، والجهة التي ستوقّع على أول إجراءات التنفيذ، بعدما رفض الفريق الأمريكي ترك فترة الستين يومًا مفتوحة أمام لجان تفاوضية طويلة تمنح طهران فرصة تأجيل الالتزامات تحت عنوان المشاورات الفنية”.

ويكشف إلغاء المحطة السويسرية أن واشنطن تتعامل مع التوقيع الإلكتروني بوصفه بداية لاختبار سياسي وتنفيذي ضيق، يبدأ بضمان حركة الملاحة في مضيق هرمز، ثم فتح قناة اتصال فنية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصولًا إلى ضبط الجبهات الإقليمية التي استخدمتها طهران أدوات ضغط خلال المفاوضات.

توقيع ترامب يرفع الكلفة

وأفاد المصدر الأمريكي، بأن “إلغاء زيارة الوفد الذي كان سيقوده نائب الرئيس جيه دي فانس جاء بعد عدم إبداء طهران التجاوب المطلوب مع المتطلبات التي أرسلتها واشنطن عبر الوسطاء مؤخرًا، إذ طلبت تسلّم جدول مختصر من 3 مراحل يحدد موعد الخطوة الأولى، والجهة الإيرانية التي ستصدر التعليمات، والقناة التي ستُستخدم لإبلاغ الوسطاء بأي تأخير، في محاولة لإغلاق المساحات التي اعتادت طهران استخدامها بين التوقيع والتنفيذ”.

كما أن توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلكترونيًا جعل الاتفاق “التزامًا سياسيًا جديًا” من جانب واشنطن، لكنه في الوقت نفسه رفع كلفة المناورة على طهران، بحسب المصدر، لأن أي محاولة إيرانية لتأخير إرسال الوفد، أو خفض مستوى الصلاحيات، أو فصل ملف هرمز عن بقية التعهدات، ستُعد خرقًا لروح التفاهم.

ومن هذه الزاوية، يدخل إلغاء المحطة السويسرية ضمن إطار الضغط على طهران، إذ تسعى واشنطن إلى تحويل التوقيع إلى إجراءات قابلة للقياس منذ الأيام الأولى، ومنع النظام الإيراني من فتح جولة تفاوضية جديدة تمنحه فرصة للمناورة.

في المقابل، أوضحت مصادر باكستانية مطلعة على ترتيبات الوساطة، أن “إسلام آباد خفّضت مستوى حضورها السياسي بعد اكتمال التوقيع الإلكتروني، وأبقت قنواتها مع واشنطن وطهران مفتوحة لتفادي انعكاس أي ارتباك على الأسواق والعواصم المعنية بأمن الملاحة”.

وأوضحت المصادر لـ”إرم نيوز”، أن اتصال شهباز شريف بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خُصص لتثبيت الالتزام أمام الوسيط الباكستاني، والإبقاء على المسار ضمن النص الموقّع.

وأضافت أن إسلام آباد كانت قد دفعت باتجاه تحويل لقاءات سويسرا إلى اجتماعات متابعة عملية، لأن حضورًا سياسيًا رفيع المستوى من دون وفد إيراني مفوض بوضوح كان سيتيح لطهران الاستفادة من المراسم من دون تقديم مؤشرات تنفيذية كافية.

طهران أمام “كلفة فورية”

من جهتها، أشارت مصادر فرنسية متابعة للمسار التقني، إلى أن “التوقيع أُنجز عبر قناة آمنة داخل فرنسا، وأن باريس تعاملت مع العملية بوصفها خطوة لتثبيت النص بصيغته النهائية”، موضحة أن الاتصالات اللاحقة انحصرت في مستوى التفويض الإيراني وآلية تسليم الملاحظات الأولى إلى الوسطاء.

وتُظهر الساعات الأولى بعد التوقيع، ثم إلغاء اجتماعات سويسرا، أن النظام الإيراني لم يحصل على مكسب مجاني من مذكرة إسلام آباد، إذ حمّله النص التزامات مبكرة في هرمز والملف النووي والجبهات الإقليمية، وجعل أي تأخير في إرسال الوفد أو إصدار التعليمات أو فتح قنوات الاتصال كلفة سياسية فورية أمام واشنطن والوسطاء والكونغرس والأسواق.

ويؤكد هذا المسار أن الاتفاق قائم دون أن يمنح طهران هامش قوة إضافيًا. فقد وضع الرئيس الإيراني توقيعه على النص، وحافظ الوسيط الباكستاني على قنوات التنسيق، وأدخلت واشنطن المذكرة إلى رقابة الكونغرس، بينما وضع إلغاء المحطة السويسرية تنفيذ الاتفاق أمام اختبار مباشر لقدرة طهران على إصدار أوامر واضحة، وقطع الطريق أمام استخدام الغموض الفني والسياسي لتأجيل الالتزامات الأولى.