لويزة حنون وعبد الله جاب الله وأحمد جداعي، ثلاثة وجوه سياسية كان لها حضور طاغٍ في الزمن السياسي “الصعب” الذي مرّت به الجزائر في التسعينيات، وكانت جزءاً من المشهد الجزائري في تلك الفترة التي اتسمت بأزمة أمنية. ثلاثتهم شاركوا بإسهاب في جهود حزبية ومبادرات سياسية مشتركة للخروج من تلك الأزمة، ويعودون إلى الساحة مرة أخرى بعد شبه غياب أو لظروف بعينها، بمناسبة الحملة الدعائية قبيل إجراء الانتخابات الجزائرية النيابية المقررة في الثاني من يوليو/ تموز المقبل.
منذ مدة طويلة، افتقد الجزائريون حضور شخصيات حزبية بارزة وذات ثقل سياسي في المشهد الانتخابي، بعد رحيل متتالٍ للشخصيات الحزبية الوازنة التي شكلت الواجهات الحزبية الأولى في البلاد بعد عام 1988. وخلال الجولات الميدانية التي قامت بها زعيمة حزب العمال لويزة حنون في مدينة الرغاية بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، أول من أمس الأربعاء، لصالح قائمة الحزب المرشحة للبرلمان، برز قدر كبير من الاحترام وتعطش الناخب الجزائري للاستماع إلى خطاب سياسي أكثر مصداقية وقرباً من انشغالاته. وفتحت حنون حواراً مع الشباب والمتقاعدين ومختلف الفئات المجتمعية، ولم يجد الناشط وليد بوزيد أفضل من حنون لتسليمها ملفاً يتضمن انشغالاً مجتمعياً لرفعه إلى السلطات، قائلاً: “نعرفك، سيدة حنون، مناضلة منذ زمن طويل، وها أنت ما زلت مناضلة وفي الميدان، ولذلك أسلمك ملفاً وأرجو أن يجد المعالجة المطلوبة”.
بعد أكثر من أربعة عقود من النضال السياسي من أجل المسار الديمقراطي، وما واجهته من مصاعب ومشكلات في مسارها السياسي، بما في ذلك سجنها قبل التعددية السياسية عام 1988 وفي عام 2019 بسبب مواقف سياسية، ما زالت زعيمة حزب العمال تخوض المعترك الانتخابي، وتقوم في الوقت الحالي بحملة انتخابية لصالح قوائم حزبها اليساري في الولايات. وتتمسك حنون بقناعاتها اليسارية ومواقفها المعارضة للسياسات الحكومية المتعلقة بخصخصة القطاعات الاستراتيجية كالمناجم، والدفاع عن القدرة الشرائية، ورفض الظلم الاجتماعي، والمطالبة بالحريات ورفع كل الإكراهات المسلطة على الممارسة السياسية والنقابية والإعلامية، وتتعهد بأن تكون كتلة الحزب في البرلمان نقدية للسياسات العمومية ومنحازة إلى الشعب.
وتحظى حنون بتقدير سياسي وشعبي كبير في البلاد نتيجة مسارها النضالي. ويصف كثيرون حضورها الميداني في هذه الانتخابات بأنه “زخم ضروري لانتخابات صعبة”. وتقول المرشحة على قائمة حزب العمال في العاصمة الجزائرية نسرين جعفر لـ”العربي الجديد”: “بالنسبة لنا بصفتنا سياسيين شباب، يمثل حضور سياسية بحجم السيدة لويزة حنون معنا في الميدان دافعاً وقوة كبيرين. لقد كانت قوية جداً خلال الجولات الميدانية، وكان هناك قبول لافت، وبخاصة من الجيل الذي عاصر نضالها والفئات الاجتماعية المطحونة ومن الشباب أيضاً”.
وبرغم إعلانه قبل سنوات رغبته في الانكفاء عن العمل الحزبي بفعل الإعياء والمشكلات الحزبية التي تعرّض لها، عاد الشيخ عبد الله جاب الله إلى الساحة السياسية عبر بوابة الانتخابات الجزائرية النيابية، حيث حضر، الاثنين الماضي، تجمعاً انتخابياً لصالح قائمة حزبه، جبهة العدالة والتنمية (إسلامي)، في حسين داي بالعاصمة الجزائرية. ولم يغير جاب الله خطابه السياسي ومواقفه، برغم كل المتغيرات التي شهدها الوضع السياسي والعام في البلاد، وبعد عبور الجزائر محنة صعبة وظروفاً متقلبة حتى عام 2019، وكذلك برغم بروز جيل جديد لم تُتح له الفرصة للاحتكاك المباشر بالممارسة السياسية. ويعد جاب الله أحد قادة التيار الإسلامي في الجزائر منذ السبعينيات، وأسس ثلاثة أحزاب هي النهضة، ثم الإصلاح، ثم حزبه الحالي جبهة العدالة والتنمية. وظل معارضاً للسياسات الحكومية، وشارك في التسعينيات في مبادرات سياسية للخروج من الأزمة الأمنية والسياسية التي كانت تعيشها الجزائر آنذاك، كمبادرة “عقد روما”.
وفي كلمته التي ألقاها خلال تجمّع انتخابي وأمام كوادر حركته، بدا جاب الله سياسياً لم يغير قناعاته ومواقفه الحادة من السلطة نفسها، التي ظل يعلنها منذ التسعينيات، بمناسبة الانتخابات النيابية المقبلة. ولم يتردد جاب الله في إعلان عدم إقراره بوجود سلطة مستقلة للانتخابات، وتوجيه الاتهام إلى المؤسسة الأمنية بالوقوف وراء حزمة الإقصاءات التي مست آلاف المترشحين. كما ظهر أن جاب الله ما زال راديكالياً في تصوراته للتغيير السياسي، ومحتفظاً، أكثر من أي قائد في التيار الإسلامي، بإقحام المضمون الديني بكثافة في خطابه السياسي.
وبرزت شخصية ثالثة بعد غياب سياسي طويل بمناسبة الانتخابات الجزائرية النيابية، والحديث عن السكرتير الأول السابق لجبهة القوى الاشتراكية أحمد جداعي، الذي يتصدر قائمة الحزب في العاصمة الجزائرية. وكانت أول مشاركة انتخابية لجداعي في انتخابات عام 1991 التي لم تكتمل بسبب توقيف المسار الانتخابي، ثم قاد حزبه في فترة عصيبة كانت تمر بها البلاد. وفي الانتخابات النيابية المثيرة للجدل عام 1997 بسبب التزوير الذي حدث خلالها، لم يشارك جداعي في النقاش العام منذ سنوات وتوارى سياسياً، لكنه يعتبر عودته وترشحه في هذه الانتخابات، بحسب ما نشره على صفحته على “فيسبوك”، بمثابة “فرصة لتجديد الثقة في مسار ديمقراطي واجتماعي يحمل قيم النضال والالتزام، واستعادة ذلك الزخم الذي صنعته سيدي أمحمد في محطات تاريخية سابقة”. ويرى متابعون أن خبرة أحمد جداعي ومساره الطويل داخل الحزب، إلى جانب قربه من الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد، قد يجعلان من عودته محاولة لإعادة بعث روح جديدة في الحزب واسترجاع مكانته السياسية والتنظيمية.
وبالنسبة للناشط السياسي سمير بلعربي، فإن العودة السياسية لهذه الشخصيات يمكن أن تشكل مدخلاً للمساهمة في تصويب النقاش وإعطاء زخم لهذه الانتخابات الجزائرية النيابية، برغم كل ما يحيط بها. وقال بلعربي لـ”العربي الجديد”: “إنها خطوة مهمة للنقاش السياسي في البلاد. عودة هذه الشخصيات تعيد شحن الهمم السياسية. وقد لاحظت، بمناسبة النشاط الانتخابي للشيخ جاب الله مثلاً، عودة متزامنة لكثير من الكوادر السياسية التي انقطعت قبل سنوات عن العمل السياسي أو التنظيمي”. وأضاف: “يمكننا بوضوح رصد الفرق الكبير في الخطاب بين هذه الشخصيات السياسية العائدة من الزمن الصعب وبين باقي الخطابات المندفعة. حنون، وجاب الله، وجداعي يتحدثون بكثير من الرزانة والمسؤولية، بعيداً عن الكرنفالية والخطاب الانفعالي. إنهم يقدمون تصورات مسؤولة ولا يقدمون وعوداً انتخابية”.