لا تتخطى صعوبة حصر السلاح بيد الدولة العراقية جانبها الأمني فقط، إذ تتشابك القضية مع موازين سياسية وحتى اقتصادية داخلية، إلى جانب بعد إقليمي متعلق بإيران. هذه المهمة التي بدا أنّ رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، يواجه فيها تحديدات غير مسبوقة لأي من أسلافه الثمانية الآخرين منذ عام 2003، تتضاعف مع تكرار فصائل مسلحة الإعلان عن رفض التسليم، وأخرى تكتفي بالإعلان عما بات يُعرف بـ”فك الارتباط”، في إشارة إلى استعدادها وضع إدارة الفصيل تحت تصرف هيئة “الحشد الشعبي”، التي تُعامل في العراق على أنها قوات قانونية.
ومع الحديث المتصاعد عن إجراءات حكومية لتسلّم أسلحة الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة، يعود السؤال إلى الواجهة من جديد: هل يشهد العراق تحوّلاً حقيقياً في بنية القوة المسلحة، أم إن ما يجري لا يزال ضمن حدود الترتيبات الإدارية والتنظيمية التي لا تمسّ جوهر السيطرة على السلاح؟ ورغم التصريحات الرسمية التي تتحدث عن تقدّم في الملف، فإنّ الغموض لا يزال يحيط بالتفاصيل الأكثر أهمية في هذا الملف؛ إذ لم تتضح بصورة كاملة نوعية الأسلحة التي ستضع الدولة يدها عليها، ولا الجهة التي ستتولى سحب هذه الأسلحة، وزارة الدفاع أو كما تطلب بعض الفصائل أن تكون من خلال هيئة “الحشد الشعبي”، ولا كيفية التعامل مع الجهات التي تعلن رفضاً صريحاً لأي خطوة للمساس بسلاحها.
وتتمحور الإشكالية الأساسية حول مفهوم “التسليم” ذاته، فهل يعني نقل الأسلحة فعلياً إلى مخازن وزارة الدفاع العراقية وإخضاعها لسلسلة القيادة العسكرية الرسمية، أم أن هذه الأسلحة ستبقى داخل المعسكرات والمخازن التابعة لهيئة “الحشد الشعبي” مع انتقال مسؤوليتها القانونية أو الإدارية فقط؟ وفي هذا السياق، يقول السياسي والناشط العراقي المعروف في بغداد، مجاشع التميمي، لـ”العربي الجديد”، إنه “لا توجد حتى الآن مؤشرات علنية موثقة تشير إلى تسلم الحكومة العراقية سلاح الفصائل بشكل كامل”، مضيفاً “ما يجري أقرب إلى إدارة وتنظيم السلاح أكثر من كونه تسليماً نهائياً له”.
وبيّن التميمي أنّ “المشكلة الأساسية هي أنّ جزءاً مهماً من هذه الفصائل في العراق يعمل ضمن إطار قانوني من خلال هيئة الحشد الشعبي، وبالتالي فإنّ الحديث عن تسليم السلاح يختلف عن تجارب نزع السلاح التي حصلت مع جماعات مسلحة خارج الدولة. الدولة لا تستطيع ببساطة جمع عشرات آلاف القطع والأسلحة الثقيلة ووضعها في مستودع واحد وإعلان انتهاء الملف”. وأضاف أن “السيناريو الأكثر واقعية هو نقل السيطرة والقرار العملياتي إلى الدولة، وإخضاع مخازن السلاح إلى الجرد والتدقيق والرقابة العسكرية، وربط الحركة والإطلاق والتخزين بموافقات رسمية، وعندها يصبح السلاح موجوداً مادياً لكنه فاقد للاستقلالية السياسية والعسكرية”.
واستبعد التميمي نقل جميع الأسلحة إلى مخازن وزارة الدفاع العراقية، نظراً لامتلاك هيئة “الحشد الشعبي” معسكرات ومخازن خاصة بها باعتبارها مؤسسة رسمية، مشيراً إلى أنّ “الأقرب هو أن يبقى جزء كبير من السلاح داخل مخازن الحشد، ولكن تحت منظومة قيادة وسيطرة حكومية موحّدة، مع تسجيل كامل للأسلحة والذخائر وإشراف الدولة عليها”. وأكد أنّ “المعيار الحقيقي ليس مكان الخزن، بل من يملك قرار استخدام السلاح”، وأضاف “إذا بقي قرار الإطلاق أو التحريك بيد قيادات الفصائل، فإن التسليم يكون شكلياً، وأما إذا أصبح القرار حصراً بيد القائد العام للقوات المسلحة عبر تسلسل عسكري واضح، فحينها يمكن الحديث عن انتقال فعلي للسلاح إلى سلطة الدولة، حتى لو بقي في مخازن الحشد، وهذه هي النقطة الفاصلة التي سيراقبها العراقيون والشركاء الدوليون خلال المرحلة المقبلة”.
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية خالد العرداوي، لـ”العربي الجديد”، إنه “من السابق لأوانه الحديث عن اكتمال عملية حصر السلاح بيد الدولة في العراق فهذه الإجراءات قبل أن ترتبط بتسلم السلاح من قبل الدولة تتطلب إيجاد تغطية مالية للعناصر الذين يجرى دمجهم في منظومة الأمن والدفاع العراقية، وتحديد أعدادهم، والمؤسسات التي ينضمون إليها، وسبل تنظيمهم وفك ارتباطهم سياسياً وعسكرياً بالجهات السياسية التي كانوا ينتمون إليها”. وبيّن العرداوي أنّ “مثل هذه الأمور ما زالت غير واضحة أو غير متوفرة على أرض الواقع، ولذا فالعملية لا تغدو إعلان إطار عام واتفاق مبادئ أولي على قبول فكرة حصر السلاح بيد الدولة، ولم تتحول إلى إجراءات عملية حقيقية على الأرض، فهذا المسار يتطلب صبراً طويلاً، وقناعة حقيقية، فضلاً عن توفر برنامج عملي يمكن الاعتماد عليه”.
في المقابل، قال المختص في الشؤون الأمنية سيف رعد، لـ”العربي الجديد”، إنّ “هناك إجراءات جدّية وتتقدّم تدريجياً حيث بدأت عملياً مع سرايا السلام وتتوسع مع الآخرين عبر اللجان والجداول لكنها غير مكتملة لغاية الآن”. وأوضح رعد أنّ “سرايا السلام التابعة للتيار الصدري بدأت التسليم الفعلي أولاً في مدينة سامراء من تسليم مقرات وأسلحة، أما عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي فالعمل جارٍ على جرد الأسلحة وتقييمها فنياً وتم وضع جميع الأسلحة في جداول زمنية محددة لاستكمال عملية تنفيذ التسليم”. وأضاف أنه “حتى الآن لم يتم استلام أي سلاح من وزارة الدفاع بشكل مباشر، بل الاستلام عبر اللجنة المركزية هي من ستقيم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة (دبابات، مدفعية، صواريخ، مسيرات) وبعدها هي من تقرر كيف يجرى توزيعها على أي تشكيلات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية أو خزنها في مستودعات داخل وزارة الدفاع أو هيئة الحشد الشعبي”.
ويواجه مشروع حصر السلاح بيد الدولة في العراق الذي باشرت به الحكومة برئاسة الزيدي مزيداً من التعقيدات، في ظل عدم قبول بعض الفصائل بتسليم سلاحها والدخول في العمل السياسي والمدني، مثل حركة “النجباء” و”كتائب حزب الله”، مع تأكيدها في بيانات رسمية أنّ “سلاحها مقدس”، وأنه “لن يُسلم”. كذلك برزت عقبة أخرى تتمثل في امتلاك إيران لأسلحة بعض الفصائل المنضوية داخل “الحشد الشعبي”.