عاد الجدل في فرنسا حول أصحاب الثروات الكبرى ودورهم في تمويل النظام الضريبي، وهو ملف ظل لسنوات محور شد وجذب بين البرلمان والحكومات المتعاقبة، مع سؤال يتكرر في كل نقاش مالي “هل يدفع الأثرياء ما يتناسب فعلاً مع حجم ثرواتهم؟”.
وجاءت عودة النقاش بعد تقرير صادر عن لجنة المالية في مجلس الشيوخ الفرنسي، أمس الأربعاء، حمل عنواناً لافتاً حول “الصندوق الأسود للثروات الكبرى”، وخلص إلى أن الدولة الفرنسية لم تعد تمتلك معرفة دقيقة وكافية بثروات الأسر الأكثر غنى، خصوصاً بعد إلغاء ضريبة التضامن على الثروة في 2017 واستبدالها بضريبة الثروة العقارية. ويرى التقرير أن تحسين هذه المعرفة ليس مسألة إحصائية فقط، بل شرط ضروري لضمان مساهمة فعلية للأثرياء في النظام الضريبي.
وكان الجدل قد اشتعل في يناير/كانون الثاني الماضي، عندما قال وزير الاقتصاد السابق إريك لومبار إن “آلاف الفرنسيين من أصحاب الثروات الكبيرة لا يدفعون ضريبة الدخل”. وأكد تقرير مجلس الشيوخ أن 13 ألفاً و324 أسرة خاضعة لضريبة الثروة العقارية دفعت ضريبة دخل صفرية أو سالبة في عام 2024، من أصل 189 ألفاً و60 أسرة خاضعة لهذه الضريبة، فيما بلغت القيمة المتوسطة لثروتها العقارية نحو 1.9 مليون يورو.
ولا يرى مجلس الشيوخ في هذه الأرقام مجرد حالات معزولة، إذ كشف أن 8768 أسرة تمكنت من خفض ضريبة الدخل إلى الصفر عبر التخفيضات والاعتمادات الضريبية، بينما كانت 4556 أسرة لديها أصلاً ضريبة دخل معدومة قبل احتساب هذه الامتيازات. كما أشار التقرير إلى أن حالات “الدخل الضعيف فعلاً” بين كبار المالكين محدودة، وأن جزءاً مهماً من الظاهرة يرتبط بآليات تحسين أو مبالغة في تحسين الوضع الضريبي.
ولإثبات أن الظاهرة ليست جديدة، عاد مجلس الشيوخ إلى بيانات ضريبة الثروة لعام 2017، فوجد أن 40 ألفاً و692 أسرة ثرية كانت تدفع أيضاً ضريبة دخل صفرية أو سالبة. والأكثر إثارة أن الأمر وصل حتى إلى أغنى الأثرياء، إذ كان بين أغنى 0.1% من الفرنسيين 38 أسرة تملك ثروات تتجاوز في المتوسط 71 مليون يورو، لكنها لم تكن تدفع ضريبة دخل، بل إن بعضها كان يحصل على مزايا ضريبية تؤدي إلى استرداد أموال من الخزانة العامة.
ويعرض التقرير بعض الوسائل التي يستخدمها كبار الأثرياء لتقليل الدخل الخاضع للضريبة، مثل إبقاء الأرباح داخل شركات يملكونها بدلاً من تحويلها إلى دخل شخصي، أو وضعها في عقود تأمين على الحياة. كما يشير إلى أن بعض الأنظمة الضريبية، مثل الإيجار المفروش، تسمح بخصم تكاليف من الأرباح، ما يخفض الضريبة المستحقة. وبذلك قد تبدو مداخيل بعض الأثرياء محدودة في الإقرارات الضريبية، رغم أن ثرواتهم الفعلية كبيرة جداً.
وتكمن أهمية التقرير في أنه لا يطرح فقط فكرة فرض ضريبة جديدة، بل يكشف أن الدولة لم تعد تملك صورة واضحة عن ثروات الأغنياء. فبعد إلغاء ضريبة الثروة وتوقف بعض الدراسات المتعلقة بالميراث والهبات، أصبحت معرفة الإدارة الفرنسية بثروات الأثرياء ناقصة ومجزأة. والمفارقة أن فرنسا باتت تعرف أحياناً عن أموال مواطنيها في الخارج أكثر مما تعرفه عن أموالهم داخل البلاد.
ولهذا قدم مجلس الشيوخ 11 توصية، أبرزها إجراء مسح دوري خاص بالثروات الكبرى، وتسريع رقمنة ملفات الميراث والهبات، وإلزام المؤسسات المالية بتقديم معلومات أوسع عن الأصول المالية التي تتجاوز 7500 يورو، إلى جانب إنشاء مؤشر جديد للدخل الاقتصادي يعكس بشكل أفضل القدرة الحقيقية للأسر على المساهمة في الضريبة.