تشهد الأسواق المصرية حالة إعادة تموضع واضحة في أعقاب التهدئة الجيوسياسية التي أعقبت اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران، حيث بدأت المؤشرات المالية والنقدية في التحرك باتجاه يعكس تحسناً نسبياً في تدفقات النقد الأجنبي وتراجعاً في الضغوط الخارجية، ما فتح الباب أمام قراءة جديدة لوضع الاقتصاد خلال 2026.
وبينما لا يمكن فصل هذه التحركات عن شبكة عوامل داخلية وخارجية متداخلة، فإن البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري والجهات الحكومية، إلى جانب تقديرات المؤسسات الدولية، تشير إلى بداية مرحلة “إعادة تسعير” شاملة للمخاطر الاقتصادية في مصر.
الدولار يتراجع دون 50 جنيهاً لأول مرة منذ أشهر
سوق الصرف كان أول من التقط الإشارة؛ إذ تراجع متوسط سعر الدولار في البنوك المصرية إلى مستويات تقارب 49.85 جنيه للشراء و49.97 جنيه للبيع، بعد أن كان يتحرك في نطاق تجاوز 52 جنيهاً خلال الفترة السابقة.
هذا التحول يعكس حالة تحسن في المعروض من النقد الأجنبي، إلى جانب تراجع نسبي في الطلب المضاربي، وهو ما ساهم في تهدئة السوق وتقليل الضغوط على تسعير الواردات.
كما يمثل كسر حاجز 50 جنيهاً نقطة نفسية مهمة في سوق الصرف، لما له من تأثير مباشر على توقعات المستهلكين والشركات فيما يتعلق بالأسعار والتكلفة المستقبلية.
قناة السويس تعود إلى مسار النمو
على مستوى إيرادات النقد الأجنبي، تظهر قناة السويس بوصفها أحد أبرز المستفيدين من التحسن الجيوسياسي، حيث سجلت نمواً في الإيرادات بنسبة 24.2% خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي.
كما ارتفعت الحمولات الصافية للسفن العابرة بنسبة 16%، مع تحسن ملحوظ في حركة الملاحة بعد تراجع المخاطر في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ويشير هذا الأداء إلى بداية تعافٍ تدريجي في أحد أهم مصادر الدولار للاقتصاد المصري، خاصة بعد فترة من الاضطرابات التي أثرت على سلاسل الإمداد العالمية.
تحويلات المصريين بالخارج عند مستويات تاريخية
في السياق ذاته، واصلت تحويلات المصريين بالخارج أداءها القوي، مسجلة نحو 39.2 مليار دولار خلال أول عشرة أشهر من العام المالي الحالي.
هذا الرقم يعكس استمرار الثقة في القطاع المصرفي المصري، مدعوماً باستقرار نسبي في سعر الصرف الرسمي وتراجع الفجوة مع السوق الموازية، وهو ما شجع على تحويل المدخرات عبر القنوات الرسمية.
وتبقى هذه التحويلات أحد الأعمدة الأساسية الداعمة للاحتياطي النقدي الأجنبي واستقرار سوق الصرف.
التضخم يواصل التراجع من مستويات قياسية
من أبرز التحولات اللافتة أيضاً، استمرار تراجع معدلات التضخم مقارنة بذروته في عام 2023، حيث انخفض من مستويات قاربت 38% إلى نحو 14.6% حالياً، مع تراجع التضخم الأساسي إلى 13.8%.
هذا الانخفاض يعكس تأثيرات مزدوجة، مع استقرار نسبي في سعر الصرف، وتحسن تدريجي في سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب سياسات نقدية أكثر تشدداً خلال الفترة الماضية، تتوقع مؤسسات دولية أن يستقر التضخم في نطاق 13% تقريباً خلال 2026، في حال استمرار الاتجاه الحالي.
أسعار النفط تمنح دفعة للموازنة
التراجع في أسعار النفط العالمية بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني يمثل عامل دعم إضافياً للاقتصاد المصري، باعتباره من الدول المستوردة الصافية للطاقة.
هذا التراجع ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد، ويخفف الضغط على الموازنة العامة، كما يقلل من تكلفة الإنتاج في عدد من القطاعات الحيوية مثل النقل والصناعة.
سياسة نقدية في مرحلة إعادة ضبط
في ظل هذه التطورات، يتجه البنك المركزي المصري نحو مرحلة أكثر مرونة تدريجياً، بعد فترة من التشديد النقدي، حيث تستقر أسعار الفائدة حالياً عند 19% للإيداع و20% للإقراض.
وتشير توقعات مؤسسات مالية إلى إمكانية بدء دورة خفض للفائدة خلال 2026، قد تمتد إلى ما بين 500 و700 نقطة أساس، في حال استمرار تراجع التضخم واستقرار سوق الصرف.
ميزان المدفوعات والاحتياطي.. تحسن تدريجي
على صعيد القطاع الخارجي، سجل ميزان المدفوعات تحسناً ملحوظاً بتراجع العجز بنسبة 13.6% ليصل إلى نحو 9.5 مليار دولار، مدعوماً بارتفاع إيرادات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وقناة السويس.
كما استقرت الأصول الاحتياطية الأجنبية عند مستويات آمنة، تعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
قراءة ختامية: هل نحن أمام دورة جديدة؟
تشير البيانات الحالية إلى أن الاقتصاد المصري يدخل مرحلة إعادة توازن حذرة، مدفوعة بعوامل خارجية مرتبطة بالتهدئة الجيوسياسية، وعوامل داخلية تتعلق باستقرار السياسة النقدية وتحسن تدفقات النقد الأجنبي.
لكن التحدي الحقيقي لا يزال في تحويل هذا التحسن إلى نمو مستدام قائم على الإنتاج والاستثمار، وليس فقط على التدفقات المؤقتة أو التحسن الدوري في الأسواق.
وبينما تبدو المؤشرات إيجابية في المدى القصير، فإن استدامة هذا المسار ستظل مرهونة بقدرة الاقتصاد على تعميق الإصلاحات الهيكلية وتعزيز الإنتاج المحلي خلال الفترة المقبلة.