اخبار

من النفط إلى الذهب.. كيف غيّر الاتفاق الأمريكي الإيراني اتجاه الأسواق؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
من النفط إلى الذهب.. كيف غيّر الاتفاق الأمريكي الإيراني اتجاه الأسواق؟

قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن الاتفاق الأمريكي الإيراني المرتقب أعاد رسم خريطة الاقتصاد العالمي بصورة واضحة، بعدما ظل العالم خلال الأشهر الماضية يترقب مآلات واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط منذ عقود، وهي الأزمة التي انعكست مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، ورفعت تكاليف التأمين البحري، وزادت المخاوف من إغلاق الممرات الملاحية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.

وأوضح العسيلي أن التطورات الأخيرة، التي أشارت إلى اقتراب التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني جديد، أحدثت تحولًا سريعًا في المشهد الاقتصادي العالمي، وأطلقت موجة من التفاؤل الحذر في الأسواق المالية الدولية، خاصة أن الأزمة لم تكن سياسية فقط، بل كانت تمس واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة لتدفقات الطاقة وحركة التجارة العالمية.

وأضاف أن استجابة الأسواق العالمية جاءت سريعة وحادة وواضحة فور تسرب الأنباء عن التفاهمات الجديدة، إذ هبطت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها خلال نحو ثلاثة أشهر، بعدما راهن المستثمرون على عودة تدفقات النفط الإيراني بصورة أكثر انتظامًا، بالتزامن مع إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن البيانات الأولية أظهرت تراجع خام برنت إلى ما يقارب 83 دولارًا للبرميل، بعد أن كان قد اقترب من 96 دولارًا للبرميل قبل أسابيع قليلة أثناء ذروة التوترات، بما يعادل انخفاضًا يقترب من 13 دولارًا للبرميل، أو نحو 14% من قيمته.

وأكد العسيلي أن هذا الانخفاض في أسعار النفط لا يمثل مجرد حركة سعرية عابرة، بل يحمل انعكاسات واسعة على الاقتصاد العالمي، نظرًا لأن أسعار الطاقة تعد أحد أهم المحركات المؤثرة في معدلات التضخم عالميًا، وأن أي تراجع مستدام في أسعار النفط من شأنه أن يخفف الضغوط التضخمية على الاقتصادات الكبرى.

وتابع أن انخفاض أسعار الطاقة قد يمنح البنوك المركزية فرصة أكبر لالتقاط الأنفاس بعد سنوات من التشديد النقدي وارتفاع أسعار الفائدة، مشيرًا إلى أن هذا يفسر ترحيب المؤسسات المالية الدولية والبنوك المركزية الأوروبية بالتطورات الجديدة، باعتبارها خطوة قد تساعد في احتواء الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.

وقال العسيلي إن قطاع النقل البحري والتأمين سيكون من أكبر القطاعات المستفيدة من الاتفاق المرتقب، موضحًا أنه منذ اندلاع الأزمة ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة للخليج العربي والبحر الأحمر بصورة غير مسبوقة، وهو ما دفع العديد من شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح.

وأضاف أن تغيير مسارات الشحن أدى إلى زيادة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف النقل والشحن، بما انعكس على سلاسل الإمداد وأسعار السلع عالميًا، لافتًا إلى أنه مع تراجع احتمالات المواجهة العسكرية وعودة الثقة تدريجيًا إلى الممرات الملاحية، من المتوقع أن تنخفض تكاليف التأمين البحري، وأن تتحسن كفاءة سلاسل الإمداد العالمية.

وأكد أن انخفاض تكلفة التأمين والنقل سينعكس إيجابيًا على حركة التجارة الدولية وأسعار السلع، خاصة في القطاعات التي تعتمد بكثافة على الشحن البحري، موضحًا أن عودة السفن إلى المسارات الطبيعية ستقلل تكلفة الرحلات وتعيد جزءًا من الانضباط إلى حركة التجارة العالمية.

وأشار العسيلي إلى أن التفاؤل ظهر بصورة أوضح في أسواق المال العالمية، حيث سجلت مؤشرات الأسهم الأمريكية والأوروبية والآسيوية ارتفاعات ملحوظة، متأثرة بانخفاض أسعار النفط وتراجع المخاطر الجيوسياسية، كما انخفض مؤشر الخوف في الأسواق المالية، وارتفعت أسهم شركات الطيران والنقل والخدمات اللوجستية، وهي القطاعات التي تستفيد عادة من تراجع أسعار الوقود وتحسن حركة التجارة العالمية.

وفيما يتعلق بالذهب، قال العسيلي إن سوق المعدن الأصفر قدم هذه المرة سلوكًا مختلفًا عما اعتاده المستثمرون، فرغم أن هدوء التوترات الجيوسياسية يفترض نظريًا أن يؤدي إلى تراجع الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، فإن الأسعار واصلت الصعود مستفيدة من تراجع الدولار الأمريكي وانخفاض توقعات رفع أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

وأضاف أن أسعار الذهب اقتربت من 4334 دولارًا للأوقية، مرتفعة بنحو 2.7% في إحدى جلسات التداول الأخيرة، وهو ما يعكس أن العوامل النقدية أصبحت في الوقت الراهن أكثر تأثيرًا في حركة الذهب من العامل الجيوسياسي وحده.

وعن تأثير الاتفاق على الاقتصاد المصري، أوضح العسيلي أن الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يحمل مجموعة من المكاسب المهمة لمصر إذا استمرت حالة التهدئة وتحولت إلى واقع عملي ودائم، خاصة أن مصر تُعد من الدول الكبرى المستوردة للطاقة والمواد البترولية.

وقال إن انخفاض أسعار النفط العالمية من شأنه أن يخفف الضغوط على الموازنة العامة للدولة، ويحد من تكلفة الاستيراد، ويمنح الحكومة مساحة أكبر لإدارة الإنفاق العام بكفاءة أعلى، خصوصًا في ظل حساسية فاتورة الطاقة لأي تحركات في الأسعار العالمية.

وأضاف أن تراجع أسعار الطاقة العالمية يساهم بصورة غير مباشرة في خفض تكاليف الإنتاج والنقل داخل السوق المحلية، وهو ما يساعد حتمًا في احتواء معدلات التضخم، خاصة إذا تزامن ذلك مع استقرار سعر الصرف وتحسن تدفقات النقد الأجنبي.

وأشار العسيلي إلى أن أي تحسن في الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يحمل أهمية استثنائية لمصر، لأن عودة شركات الشحن العالمية إلى استخدام المسارات الطبيعية عبر البحر الأحمر وقناة السويس يمكن أن تسهم في استعادة جزء مهم من الإيرادات التي تأثرت بشدة خلال فترة التوترات الإقليمية.

وأكد أن انخفاض تكاليف التأمين البحري سيشجع المزيد من السفن على العودة إلى المسار الملاحي عبر قناة السويس، بما يدعم موارد الدولة من العملات الأجنبية، ويعزز أحد أهم مصادر الدخل الدولاري للاقتصاد المصري.

وفيما يتعلق بالاستثمار، قال العسيلي إن انخفاض المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط يرفع من جاذبية الأسواق الناشئة بوجه عام، ويدعم صورة مصر أمام المستثمرين الدوليين باعتبارها سوقًا قادرة على جذب رؤوس الأموال، بدلًا من النظرة السلبية التي كانت تتخوف من تراجع تصنيفها أو انتقالها من سوق ناشئة إلى سوق أقل جاذبية.

وأضاف أن تراجع علاوة المخاطر الإقليمية من شأنه أن يساهم في خفض تكلفة التمويل، ويدعم قدرة مصر على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات تمثل أولوية في خطط الدولة لتعزيز النمو وزيادة موارد النقد الأجنبي.

وشدد العسيلي على أن التفاؤل الحالي يجب أن يظل مشوبًا بالحذر، لأن التجارب السابقة تؤكد أن الاتفاقات السياسية، خاصة في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا تتحول في معظم الأحيان إلى استقرار دائم بصورة تلقائية، كما أن عودة النفط الإيراني إلى الأسواق بكامل طاقته ورفع العقوبات بصورة شاملة لا يزالان مرتبطين بتفاصيل تفاوضية وفنية قد تستغرق شهورًا قبل أن تدخل حيز التنفيذ وتظهر آثارها الكاملة على الاقتصاد العالمي.

واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أنه إذا نجح الاتفاق الأمريكي الإيراني في الصمود والتحول إلى تسوية طويلة الأجل، فقد يشهد العالم مرحلة جديدة من انخفاض أسعار الطاقة، وتراجع تكاليف النقل والتأمين، وتحسن مناخ الاستثمار العالمي.

وأكد أن مصر قد تكون من أبرز المستفيدين من هذا الاتفاق عبر أربع قنوات رئيسية، هي انخفاض فاتورة الطاقة، وتحسن إيرادات قناة السويس، وتراجع الضغوط التضخمية، وزيادة جاذبية الاستثمار الأجنبي، موضحًا أنه في هذه الحالة لن يكون الاتفاق مجرد حدث سياسي عابر، بل أحد أهم المتغيرات الاقتصادية المؤثرة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.