تتميّز الكويت بأسواقها المتنوعة استهلاكياً وغذائياً، بحدود إنفاق تناسب كافة الميزانيات، لكن اللافت أن وسط هذه الأسواق منافذ تُشكّل مقصداً مشهوراً لشريحة واسعة من المستهلكين، والسبب ببساطة أنها توافر أفضل السلع وأكثرها طلباً، بأسعار أقل من معدلها المتداول خارج أسوارها من 5 إلى 7 مرات، وأحياناً 9 أضعاف، رغم أنها لا تُقدّم ضمن العروض أو المهرجانات التقليدية للجمعيات التعاونية والأسواق المركزية الكبرى، والسر هنا يكمن في العبارة الملزمة كتابتها بالقائمة المختصرة الملصقة بظهر عبوات السلع المعروضة.
بالطبع قد يذهب أيّ تفسير في هذا الخصوص من الوهلة الأولى إلى أن السبب في ذلك يعود إلى سياسة حرق الأسعار التي قد يلجأ إليها بعض التجار مُوقّتاً، ضمن المنافسة في القطاع، لكن الواقع يظهر أن هذه الحالة من العروض المغرية مُستدامة طوال السنة، ويقفز معدل رواجها في المواسم، ما يعني أن تقديم هذه السلع بأسعار متدنية نموذج عمل، وليس في إطار تنزيلات موسمية.
فـ «القطبة المخفية» في القصة تكمن في تاريخ صلاحية السلع المقدمة في هذه الأسواق، حيث تتخصّص في عرض سلع أساسية ومطلوبة بقوة للاستهلاك بتاريخ صلاحية شارف على الانتهاء، وقد يكون ذلك بشهر أو أكثر، ما يجعل منافذ بيع هذه السلع تشتريها من المورد بأسعار متدنية وبخصم يصل أحياناً 90 في المئة من السعر المتداول لنفس السلعة ذات الصلاحية الممتدة، ومن ثم بيعها بهامش إضافي يجعلها أيضاً مبوبة في خانة السعر المميز للمستهلك.
وأمام ذلك تشهد هذه الأسواق إقبالاً متزايداً من الباحثين عن تمويل احتياجاتهم الغذائية والاستهلاكية بأقل قيمة إنفاق ممكنة، مستفيدين من الفوارق السعرية الكبيرة التي تُوفّرها هذه المنتجات، بزيادة سحوباتهم، أو تنويعها، ما يُوفّر لهم كميات وأنواع أكثر بميزانية يستطيعون إدارتها بسهولة، مُستندين إلى حجم استهلاكهم الذي يجعلهم في مأمن من تجاوز تاريخ الصلاحية بحكم استهلاكهم المتسارع خصوصاً لدى الأسر، أخذاً بالاعتبار منافسة مطاعم وبقالات على شراء السلع قريبة الانتهاء لدورها في خفض تكلفة الأموال على أصحاب هذه المنافذ.
وما يزيد قوة هذه الأسواق تشغيلياً التزام الجمعيات التعاونية بضوابط وزارة التجارة والصناعة التي تُقيّد عرض المنتجات عند اقترابها من نهاية صلاحيتها، ما يدفع الموردين إلى إخراجها إلى المنافذ المتخصصة بهذه النوعية من السلع، متخلين عن هامش ربحيتها وأحياناً جزءاً من تكلفتها الأساسية.
وحسب الأسواق المركزية المتخصصة في بيع هذه المنتجات، يتم تحديد آلية تسعيرها وفقاً للفترة الزمنية المتبقية قبل انتهاء صلاحيتها، حيث يتم بيع المنتج نفسه بأسعار مختلفة وفق عدد الأيام أو الأسابيع المتبقية له، والمتابع لتلك الأسواق المستدامة على مدار العام، سيجد أن الطلب على هذه السلع يرتفع بشكل ملحوظ خلال المواسم مثل شهر رمضان، والعام الدراسي، والتخييم.
اشتراطات وضوابط
وفي هذا الخصوص أكّد رئيس مجلس إدارة جمعية الروضة وحولي التعاونية محمد الكندري لـ «الراي»، أن الجمعيات التعاونية تلتزم بالاشتراطات والضوابط المنظمة لفترات صلاحية المنتجات المعروضة للمستهلكين، مشيراً إلى أن السلع القريبة من انتهاء الصلاحية لا تعرض للبيع داخل الجمعيات.
وأوضح أن «التجارة» وضعت معايير واضحة تتعلّق بالحد الأدنى المُتبقّي من صلاحية المنتجات عند عرضها للبيع، بحيث تختلف المدة وفق العمر الافتراضي لكل سلعة، مبيناً أن بعض المنتجات التي تمتد صلاحيتها لعام كامل يمكن استلامها قبل 6 أشهر من انتهاء صلاحيتها، فيما يتم رفعها من الأرفف قبل انتهاء صلاحيتها بـ 30 يوماً، أما السلع ذات الصلاحية لعامين فممكن استلامها خلال 12 شهراً ونرفعها قبل انتهاء صلاحيتها بنحو 60 يوماً، في حين يكون هناك استثناءات للسلع سريعة التلف بمدد مختلفة حسب نوعها.
وأضاف الكندري أن هناك بعض الاستثناءات المُتعلّقة بالأصناف السريعة والضرورية المطلوبة من المستهلكين، مشيراً إلى أن العروض الترويجية التي تنظمها الجمعيات التعاونية لا تهدف إلى تصريف منتجات قريبة من انتهاء الصلاحية، وإنما تأتي في إطار المهرجانات التسويقية التي تُخصّص لها ميزانيات سنوية، إلى جانب التفاوض مع الشركات الموردة للحصول على خصومات إضافية تنعكس على الأسعار النهائية للمستهلكين، موضحاً أن الجمعيات تُمارس دوراً مهماً في الضغط على الشركات لتقديم أسعار أقل، كما تُساهم في دعم بعض المنتجات لتوفيرها بأسعار مناسبة للمستهلكين.
من جانبه، أكّد فهد الجمال، أحد أصحاب الأسواق المركزية لـ «الراي»، أن السلع الغذائية قريبة انتهاء الصلاحية تشهد إقبالاً كبيراً من مختلف شرائح المستهلكين، مدفوعة بالأسعار المُخفّضة التي تُطرح بها مقارنة بالأسعار السائدة في الأسواق التقليدية.
وقال إن المستهلكين يُقبلون بصورة ملحوظة على المنتجات التي يتبقّى على انتهاء صلاحيتها شهر أو شهران، موضحاً أن السوق يشهد كذلك عروضاً خاصة على المنتجات التي تتبقّى على صلاحيتها أيام معدودة أو أسبوع واحد فقط، وأن هذه العروض تُحقّق رواجاً كبيراً، إذ يتم بيع معظم الكميات المعروضة خلال فترة قصيرة بسبب الانخفاض الكبير في أسعارها، الأمر الذي يجعلها خياراً اقتصادياً للأسر الساعية إلى تقليص مصروفاتها الشهرية.
وبيّن الجمال أن هذه المنتجات تصل الأسواق المُتخصّصة بعد إرجاعها من الجمعيات التعاونية إلى الشركات الموردة، عقب تجاوزها الحدود الزمنية المسموح بعرضها داخل الجمعيات، موضحاً أن الشركات تتولّى بعد ذلك إعادة تسويقها وطرحها في منافذ متخصصة بأسعار مخفضة، مع استمرار صلاحيتها للاستهلاك وفق الاشتراطات والأنظمة المعمول بها، وتحت رقابة «التجارة» و«البلدية».
آلية التسعير
بدوره، أوضح محمد إبراهيم، صاحب سوق مركزي، أن آلية تسعير المنتجات قريبة انتهاء الصلاحية تعتمد بشكل أساسي على الفترة الزمنية المتبقية قبل انتهاء صلاحيتها، بحيث يتم بيع المنتج نفسه بأسعار مختلفة وفق عدد الأيام أو الأسابيع المتبقية له.
وأضاف أن الفارق السعري الكبير بين المنتجات ذات الصلاحية الطويلة وتلك التي اقترب موعد انتهائها يُعدّ العامل الرئيسي وراء الإقبال المتزايد عليها، لافتاً إلى أن المطاعم وأصحاب البقالات من أبرز الجهات التي تشتري هذه المنتجات للاستفادة من أسعارها المنخفضة في خفض التكاليف.
وأشار إلى أن الطلب على هذه السلع يرتفع بشكل ملحوظ خلال مواسم معينة مثل شهر رمضان، وموسم المدارس، وفترات السفر والتخييم، حيث يزداد استهلاك المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية المختلفة، مؤكداً أن إعادة تسويق المنتجات قبل انتهاء صلاحيتها يُسهم في الحدّ من الهدر الغذائي وتقليل كميات السلع التي يتم التخلّص منها، كما يُوفّر للمُستهلكين خيارات أقلّ تكلفة في ظلّ التضخم.
عرض اليوم الواحد… أسعار استثنائية
تبرز المنتجات الغذائية التي لا يتبقّى على انتهاء صلاحيتها سوى يوم واحد ضمن أفضل العروض استثنائية، خصوصاً الحلوى والشكولاتة والبسكويت وبعض المخبوزات والوجبات الخفيفة، حيث تُطرح هذه المنتجات بأسعار مخفضة للغاية قد تصل 10% من قيمتها الأصلية، ما يدفع مستهلكين عدة إلى شرائها بكميات كبيرة للاستهلاك الفوري.
ويُؤكّد أصحاب الأسواق أن هذه المنتجات تبقى صالحة للاستهلاك حتى نهاية تاريخ الصلاحية المدون عليها، مُوضّحين أن مُخالفات «التجارة» تُسجّل بعد انتهاء تاريخ الصلاحية ولو بيوم واحد.