يشهد المشهد الدولي تحولات متسارعة تتداخل فيها المنافسة الجيوسياسية مع الصراعات الأمنية والتحديات الاقتصادية، في وقت تتزايد فيه محاولات القوى الكبرى لإعادة تشكيل مناطق النفوذ وترسيخ مواقعها الاستراتيجية. وبينما تتجه الأنظار إلى أزمات أوروبا وآسيا وإفريقيا، تتكشف أنماط جديدة من الصراع والتأثير تتجاوز الأدوات التقليدية للدبلوماسية والقوة.
ويتناول هذا العدد من “مرصد مراكز الأبحاث” قضايا متنوعة تعكس طبيعة هذه التحولات، بدءًا من مساعي روسيا للحفاظ على نفوذها داخل أرمينيا عبر أدوات سياسية وإعلامية، مرورًا بتداعيات سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أجواء كأس العالم، وصولًا إلى المشروع الصيني الهادف إلى إعادة رسم النفوذ العالمي من خلال التكنولوجيا والاقتصاد والفضاءات الاستراتيجية الجديدة.
كما يسلط العدد الضوء على الجدل الدائر في ألبانيا حول مشاريع الاستثمار السياحي الكبرى والتوازن بين التنمية وحماية البيئة، إضافة إلى التداعيات الاستراتيجية لضربات المسيّرات التي أعادت طرح تساؤلات حول فعالية الردع النووي. وفي القارة الإفريقية، يناقش العدد تعثر جهود الوساطة في شرق الكونغو، وما تكشفه الأزمة من تحديات تواجه الدبلوماسية الإفريقية في التعامل مع النزاعات المعقدة والمتشابكة.
تأثير روسيا في الانتخابات الأرمينية


أظهرت الانتخابات الأرمينية فوز رئيس الوزراء نيكول باشينيان، إلا أن النتيجة لم تمثل هزيمة كاملة للكرملين، فرغم عدم نجاح المرشح الموالي لروسيا في تحقيق الفوز، تمكنت القوى القريبة من موسكو من حصد نسبة مؤثرة من الأصوات، ما منحها حضورًا سياسيًّا قد يعرقل بعض خطط الحكومة، خاصة المتعلقة بالسلام مع أذربيجان وتقليص الاعتماد على روسيا.
أوضح المعهد الملكي للخدمات المتحدة أن موسكو اعتمدت على حملة إعلامية واسعة هدفت إلى التشكيك في شرعية باشينيان واتهامه بالتبعية للغرب. كما روجت شبكات مرتبطة بالكرملين لروايات حول تدخل الاتحاد الأوروبي والدول الغربية في الانتخابات، في إطار استراتيجية طويلة الأمد تستهدف بناء قاعدة سياسية وشعبية موالية لروسيا داخل أرمينيا.
ويرى المعهد أن الانتخابات لا ينبغي اعتبارها فشلًا روسيًّا، بل جزءًا من استراتيجية مرنة تسعى إلى الحفاظ على النفوذ الروسي حتى دون الفوز المباشر بالسلطة، وحذَّر من أن الأساليب التي استخدمتها موسكو في أرمينيا، والتي جرى اختبارها سابقًا في مولدوفا ورومانيا، يمكن أن تُنقل إلى دول أوروبية أخرى، ما يبرز أهمية تعزيز قدرات مواجهة التدخلات الخارجية وحماية نزاهة العمليات الديمقراطية.
سياسات ترامب..كيف أفسدت زخم كأس العالم؟


مع انطلاق كأس العالم في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، أثارت قضايا التأشيرات جدلاً واسعًا بعد رفض السلطات الأمريكية دخول الحكم الصومالي عمر عرتان رغم امتلاكه الوثائق المطلوبة، كما واجه المنتخب الإيراني قيودًا مشددة على التنقل، ما عزز المخاوف من تأثير سياسات الهجرة الأمريكية على أجواء البطولة.
ووفقًا لتقرير مجلة وورلد بوليتكس ريفيو، فإن هذه الخلافات سلطت الضوء على التداخل المتزايد بين الرياضة والسياسة في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويرى التقرير أن الإجراءات المتعلقة بالتأشيرات والهجرة أضعفت صورة الولايات المتحدة كدولة مضيفة لحدث عالمي يفترض أن يجمع الجماهير والمنتخبات من مختلف أنحاء العالم.
وأشار التقرير إلى ضعف الحماس الجماهيري مقارنة بالنسخ السابقة من كأس العالم، وهو ما انعكس في تراجع مبيعات التذاكر وحجوزات الفنادق. وبينما تعود بعض الأسباب إلى ارتفاع الأسعار وتوسيع البطولة، يرى التقرير أن صورة الولايات المتحدة وسياسات إدارة ترامب أسهمت أيضًا في تقليص الزخم المتوقع للبطولة قبل انطلاق منافساتها.
الصين تعيد رسم النفوذ العالمي


تعمل الصين على توسيع نفوذها العالمي عبر الاستثمار في مجالات استراتيجية جديدة تشمل الفضاء الخارجي والذكاء الاصطناعي والبيانات وأعماق البحار. ويعكس هذا التوجه رؤية بعيدة المدى تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي والأمن القومي، مع بناء قدرات تكنولوجية متقدمة تدعم مكانة بكين في النظام الدولي.
وأوضح المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية أن بكين تتبنى نموذج “الدولة الحجمية”، الذي لا يقتصر على السيطرة الجغرافية التقليدية، بل يربط بين التكنولوجيا والبنية التحتية والقوانين والبيانات في منظومة متكاملة. وتعد الصناعات المستقبلية والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي من أبرز ركائز هذه الاستراتيجية.
وأشار التقرير إلى أن صعود الصين لن يقتصر على المنافسة التجارية، بل سيمتد إلى وضع المعايير الدولية والتحكم في سلاسل التوريد والتقنيات الناشئة. وبالنسبة لأوروبا، يمثل هذا التحول تحديًا استراتيجيًا يتطلب سياسات أكثر تنسيقًا لمواكبة نفوذ صيني متنامٍ ومتعدد الأبعاد.
ألبانيا بين منتجعات كوشنر وحماية البيئة


أثارت خطط جاريد كوشنر لإنشاء منتجعات فاخرة في مناطق ساحلية بألبانيا موجة احتجاجات محلية ودولية تحت شعار “ألبانيا ليست للبيع”. ويرى المعارضون أن المشروع يهدد نظمًا بيئية حساسة تضم طيورًا مهاجرة وسلاحف بحرية وفقمات نادرة، ما حول القضية من مشروع استثماري إلى نقاش أوسع حول السيادة والبيئة.
وأشار معهد تشاتام هاوس إلى أن الحكومة الألبانية تنظر إلى المشروع باعتباره فرصة لجذب استثمارات أجنبية وتعزيز قطاع السياحة الذي شهد نموًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة. لكن المنتقدين يحذرون من أن المكاسب الاقتصادية قصيرة الأجل قد تأتي على حساب التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية التي تمثل أساسًا للتنمية المستدامة مستقبلًا.
وتكشف القضية عن معضلة تواجه العديد من الدول النامية: كيف يمكن تحقيق النمو الاقتصادي دون الإضرار بالبيئة أو التفريط في السيادة على الموارد الطبيعية؟ كما يبرز البعد الجيوسياسي للنزاع، إذ ترتبط قرارات الاستثمار اليوم بقضايا المناخ وحماية الطبيعة والعلاقات الدولية، ما يجعل التوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
ضربات المُسيّرات تكشف تآكل الردع النووي


كشفت العملية الأوكرانية “شبكة العنكبوت” داخل الأراضي الروسية عن تحول مهم في طبيعة الصراعات الحديثة، بعدما استهدفت طائرات مسيرة قواعد تضم قاذفات استراتيجية مرتبطة بالقدرات النووية الروسية. وأظهرت العملية أن امتلاك السلاح النووي لم يعد كافيًا لمنع الخصوم من تنفيذ هجمات تقليدية أو هجينة ضد أهداف حساسة.
أوضحت مجلة فورين أفيرز أن التطورات الأخيرة تشير إلى تراجع فعالية الردع النووي بوصفه الضامن المطلق للأمن. فالهجمات الأوكرانية على روسيا، والضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، إضافة إلى المواجهات بين الهند وباكستان، أظهرت أن الدول المسلحة نوويًا لا تزال عرضة للاستهداف دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تصعيد نووي.
ويشير التقرير إلى أن هذه الوقائع تتحدى الافتراضات التقليدية حول الاستقرار الاستراتيجي، إذ لم تمنع الترسانات النووية اندلاع النزاعات أو توسيعها. وبدلًا من ردع الخصوم بشكل كامل، باتت القوى النووية تواجه خصومًا مستعدين لاختبار حدود الردع، ما يثير مخاوف من أزمات مستقبلية قد تكون أكثر تعقيدًا وخطورة على الأمن الدولي.
كيف تعثرت الدبلوماسية الإفريقية في الكونغو؟


رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة لاحتواء الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا تزال حركة “إم 23” المدعومة من رواندا تحقق مكاسب ميدانية، ما يعقد فرص التوصل إلى تسوية دائمة. ويعكس استمرار القتال هشاشة المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في إفريقيا.
وأوضحت مجلة وورلد بوليتكس ريفيو إلى أن التحركات الدبلوماسية الإفريقية حققت بعض التقدم في جمع الأطراف المتنازعة حول طاولة الحوار، إلا أن الخلافات العميقة بين الكونغو ورواندا، إلى جانب تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية، ما زالت تعرقل الوصول إلى اتفاق شامل يضمن الاستقرار طويل الأمد.
وتبرز الأزمة حدود الوساطات الإفريقية في التعامل مع النزاعات المسلحة المعقدة، حيث يتطلب السلام معالجة جذور الصراع المرتبطة بالهوية والموارد الطبيعية والأمن الحدودي. ويرى التقرير أن أي تسوية مستدامة ستعتمد على قدرة الأطراف الإقليمية على بناء الثقة وفرض الالتزامات السياسية والعسكرية على جميع الفاعلين.