بعد أن حقّقت انتصارا مهما في حرب الأربعين يوما (28 فيفري- 8 أفريل 2026) بصمودها الكبير أمام أعظم قوّة عسكرية في العالم وحليفها الصهيوني، وإحباط أهدافهما، حقّقت إيران نصرا آخر على الولايات المتحدة الأمريكية بصمودها في المفاوضات غير المباشرة، وإدارتها بحنكة ودهاء، وامتصاصها الضغوط والتهديدات الأمريكية المكثفة والمتواصلة، إلى أن أنهت المفاوضات بمذكّرة تفاهم من 14 بندا يلبّي أغلبها المطالب الأساسية لطهران، مقابل تنازلات غير جوهرية.
بموجب هذه المذكّرة، ابتعد أكثر شبح عودة الحرب وما تحمله من مآس ودمار، وفور توقيعها يوم الجمعة 19 جانفي الجاري بجنيف، سيرفع الحصار البحري الأمريكي المضروب على إيران منذ 13 أفريل الماضي، ما سيمكّنها من العودة إلى تصدير نفطها ومنتجاتها البتروكيميائية من دون قيود، بعد أزيد من شهرين من المنع الذي ألحق أضرارا جسيمة بهذا القطاع الحيوي، وحرم إيران من عائداته. وبالعودة إلى التصدير، سيتنفَّس الاقتصاد الإيراني الصعداء، وستتعمّق مكاسبه أكثر إذا طبّقت بنود مذكّرة التفاهم بسلاسة وحصلت طهران على نحو 24 مليار دولار من أموالها المجمّدة، وهي دفعة أولية ينتظر أن تتبعها دفعات أخرى مستقبلا إذا توصّل الطرفان إلى اتفاق نهائي يتوّج مفاوضات الـ60 يوما المنتظرة بينهما لحلّ خلافهما النووي.
وبرغم عدم نشر تفاصيل مذكرة التفاهم رسميا إلى حدّ الساعة، وتأجيل ذلك إلى ما بعد توقيعها يوم الجمعة القادم، إلا أن ما تسرّب منها يؤكّد أنّ الولايات المتحدة لم تتمسّك بشرطيها السابقين وهما ضرورة تخلي إيران عن منظومتها الصاروخية متوسطة المدى التي تصل إلى الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة، والتخلي عن دعم حلفائها بمحور المقاومة. ويبدو أن الولايات المتحدة قد تغاضت عن هذين الشرطين اللذين طالما تشبّثت بهما وكانا أحد الدوافع الأساسية لحربها الجائرة الأخيرة على إيران. وأكثر من ذلك، قبلت أمريكا وقف حرب لبنان، ما يعني قبولها الضمني بفكرة وحدة الساحات، والتزامها بالضغط على الاحتلال لمنعه من مواصلة الحرب وإفشال الاتفاق.
ومقابل هذه المكاسب، وافقت إيران على تقديم تنازلات بشأن مضيق هرمز والمسألة النووية فيما يبدو؛ فقد تراجعت عن فرض رسوم بـ1.5 إلى 2 مليون دولار عن كل سفينة تجارية أو ناقلة نفط تعبر المضيق، لكنّها استبدلتها برسوم سمّتها “رسوم الخدمات البحرية”، كخدمات الملاحة، وحماية البيئة، والتأمين على السفن… وأدرجت ذلك في مذكرة التفاهم في اللحظات الأخيرة، وبذلك، نجحت في استخدام المضيق لأول مرة في تاريخها ورقة ضغط قوية أجبرت أمريكا في آخر المطاف على وقف الحرب ثم الوصول إلى مذكّرة تفاهم والرضوخ للعديد من مطالبها، ويمكن لإيران العودة إلى استخدامها وغلق المضيق في كلّ مرة تنشب فيه أزمة مع أمريكا بشأن أيّ مسألة.
أمّا إعلان طهران أنها لن تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، سواء عن طريق التصنيع أو الشراء، وهو الأمر الذي قدّمه ترامب كإنجاز له في عيد ميلاده الثمانين، فهو ليس جديدا في واقع الأمر؛ إذ لم يسبق لأيّ مسؤول إيراني أن أعلن من قبل أنّ برنامجهم النووي يهدف إلى صنع قنبلة ذرية، بل إنّ المرشد السابق الشهيد علي خامنئي أصدر فتوى صريحة بتحريمه، وطالما شدّدت إيران على أنّ برنامجها النووي سلمي، وأنّه حقّ لها يكفله القانون الدولي، وعلى هذا الأساس، وقّعت اتفاق 2015 مع أوباما ودول أخرى، وحينما نقض ترامب هذا الاتفاق في 2018 خلال ولايته الرئاسية الأولى بتحريض سافر من نتنياهو، قامت إيران برفع نسبة التخصيب الضئيلة المسموحة لها دوليا إلى 60 بالمائة بهدف الضغط على أمريكا للعودة إلى الاتفاق مجدَّدا ورفع العقوبات عنها، وإذا قبلت ترقيقه اليوم، فذلك يندرج في إطار العودة إلى اتفاق 2015 في جوهره ورفع العقوبات عنها مجددا، ولا نعتقد أنّ ترامب صادق حينما يقدّم الأمر على أنّ الاتفاق الجديد يختلف عنه جذريا.
ومع ذلك، نعتقد أنّ طهران لن تقبل بتسليم يورانيومها المخصّب بنسبة 60 بالمائة إلى أمريكا، بل ستقوم بترقيقه على أراضيها بإشراف خبراء في الأمم المتحدة، لأنّ مسائل السيادة والكرامة غير قابلة التفاوض.
باختصار، فإنّ مكاسب إيران من مذكرة التفاهم أعلى بكثير من تنازلاتها؛ لقد ثبتت في حرب الأربعين يوما ولم تستسلم ولم تنكسر برغم ما لحق بها من خسائر فادحة، ثم صمدت خلال أسابيع من المفاوضات الشاقة غير المباشرة وأجبرت إدارة ترامب أخيرا على تقديم الكثير من التنازلات وتلبية العديد من مطالبها الأساسية. إنّه نصر استراتيجي كبير لإيران. أمّا ترامب، فيصف المحلّل الصهيوني في صحيفة “هآرتس”، روغر ألفر، وضعه المزري بهذه الكلمات: “لقد غادر إيران منهكا ذليلا، ومن دون أن يحقّق شيئا يذكر سوى أنّه ترك وراءه نظاما دينيا أكثر تصميما، وشعبا إيرانيا معاديا للولايات المتحدة، وإسرائيل في أسوأ حالاتها، وقد يكون الإطاحة بنظام الحكم في كوبا خيارا مغريا للغاية لاستعادة كرامته”.