في أفريقيا، لا تهدأ الأوضاع السياسية في البلدان ذات الموقع الجغرافي الخطر، حيث التأثير وامتلاك النفوذ فيها يمكن أن يغيرا المعادلات والخرائط الدولية ويعيدا رسمها بما يناسب القوى المتنافسة. هذه الأيام، برز اسم “أرض الصومال” من جديد، الكيان الانفصالي الذي يريد فرض نفسه دولة مستقلة بدعم إسرائيلي وأميركي صريح، ويقوم “رئيسه” بزيارة إلى القدس ويلتقي الرئيس “الإسرائيلي” إسحاق هرتسوغ الذي بدوره، يؤكد زيادة الدعم الإسرائيلي لأرض الصومال. في دراسات كثيرة منشورة بمعهد الأمن القومي الإسرائيلي ومراكز التأثير هناك وندوات بحثية، يركز الإسرائيليون على ضرورة الاستثمار في أفريقيا، خاصة في منطقة الشرق الأفريقي، لقطع الطريق على نفوذ قوى أخرى معادية، وهي إيران بالدرجة الأولى. والحضور الإسرائيلي في الشرق الأفريقي هو مكثف في السنوات الأخيرة، في إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وكينيا وجنوب السودان، وتل أبيب دعمت بقوة مشاريع الانفصال هناك، وغلّبت في الحروب الأهلية هناك أطرافًا على أخرى، وفي مرات كثيرة دعمت كل الأطراف المتحاربة سواء الحكومة النظامية أو المتمردين، كما أنّ هذه المنطقة تشكل سوقًا حقيقيًّا للأسلحة الإسرائيلية وللمعدات الأمنية، فضلاً عن الارتباط الديني والتاريخي “المُختلق” الذي تستفيد منه تل أبيب لجلب مهاجرين جدد من هناك إلى الأراضي المحتلة ويشكلون طبقة مهمة من العمال والجنود ورجال الأمن دون أن يصلوا إلى مراتب حسّاسة في “الدولة اليهودية”.
أرض الصومال… حساسية جغرافية
أرض الصومال أو “صوماليلاند”، تقع في خريطة جغرافية معقدة، فالإطلالة المباشرة على خليج عدن تعد كنزًا طبيعيًّا له وزن استراتيجي وإقليمي كبير في الفترة الحالية، والمجاورة لدول جيبوتي وإثيوبيا تعني جوار صفائح تكتونية ساخنة ومنطقة تنافس دولي حادّ يجعل من أسهم هذا الإقليم مرتفعة، وذات أهمية كبرى في أجندات الدول القادرة على بناء قواعد عسكرية أو أمنية واستثمارات كبرى. إن دولة مثل “إسرائيل” لا يمكن أن تهتم بشأن “أرض الصومال” إلّا لغرض واحد، وهو السيطرة على مدخل مضيق باب المندب والتحكم في خطوط الإمداد والتوريد القادمة من المحيط الهندي والقرن الأفريقي نحو البحر الأحمر، هذا المضيق يشكل خطرًا حقيقيًّا عليها بسبب الحوثيين في اليمن، وتهدد به الدولة الإيرانية الآن بشكل مباشر تل أبيب وواشنطن في الحرب الأخيرة، وبالتالي هو ورقة استراتيجية وجيوسياسية تمتلكها طهران وصنعاء في الوقت الحالي، تسعى إسرائيل لانتزاعها بثمن يبلغ تقسيم دولة الصومال على اثنين. في هذا الإطار، لا تمتلك مقديشو أي قدرة أو قوة لمنع تعاظم شأن حكومة “أرض الصومال”، حيث تعيش ظروفًا سياسية وأمنية هشّة، واقتصادًا شبه منعدم على الرغم من المؤهلات والثروات الطبيعية والسياحية والموقع، لكنّ البعد الجغرافي والنزاعات الأهلية المتتالية، إضافة للنزاع ضد حركة “الشباب”، جعلت الطريق بين مقديشو وبربرة عاصمة “أرض الصومال” منقطعة، وهو ما جعل هذا الإقليم منطقة رخوة رغم التعداد السكاني الكبير فيه، وأهّله لاختلاق أسباب ومبررات وواقع جديد يدعم انفصاله وتأسيس دولة مستقلة، لكن ثمّة من قد يمنع حدوث ذلك.
ازدحام القواعد العسكرية في المنطقة
في العاصمة مقديشو توجد قاعدة تركية عسكرية، بالنسبة لأنقرة مسألة الانفصال ممنوعة كليًّا، ولا يمكن لهذا التقارب الإسرائيلي أن يعبر بسهولة، ويُنظر له بعين الريبة والحذر الشديد، فهي وقّعت في شباط/ فبراير 2024 “أي في عز حرب الإبادة على غزة”، اتفاقية دفاع تمنحها تفويضًا لمدة عشر سنوات لحماية السواحل والمياه الإقليمية الصومالية، وبناء وتدريب القوات البحرية، كما تُدير معسكر “تركصوم” في مقديشو وهو أكبر قاعدة عسكرية خارجية لها، وتم تعزيزه بمقاتلات حربية من طراز F-16 وإرسال مئات الجنود لها. وغير بعيد عن أرض الصومال، في جيبوتي توجد قاعدة فرنسية، وعلى الرغم من انحسار نفوذ فرنسا في أفريقيا بمنطقة الساحل، إنّ الوجود في جيبوتي يحمل دلالة تنافسية مع الدول الأخرى على المنطقة، وقد لا يُزعج الحضور الإسرائيلي المكثف في القرن الأفريقي فرنسا بالشكل الذي يزعج أنقرة وربما يشكل خطرًا على مصالحها. وتأتي إسرائيل لتسجل حضورها من جديد، في أرض الصومال، لتربط بين دول القرن الأفريقي المرتبطة بها وهي إثيوبيا وإريتريا وتنزانيا وكينيا مع بعضها وتضيف لهذه السلسلة “أرض الصومال” التي تشبه عملية انفصالها قضية جنوب السودان، ولأن إسرائيل تنشط في الأيام الأخيرة في جنوب اليمن بشكل غير مباشر، فإنّ العمل على التقاء بربرة وعدن اللتين تبعدان 260 كلم عن بعضهما، سيكون مفيدًا لها مستقبلاً لإنجاز طوق بحري على خطوط الإمداد البحري للحوثيين في ميناء الحديدة والإيرانيين كذلك.
التجارة والخدمات مبرراً للنفوذ
في التجارة، يظل الهدف الإسرائيلي هو اقتناص الأسواق الأفريقية الواسعة، وقد عمدت إلى افتتاح مكاتب تجارية لها بهدف تطوير وزيادة حجم التبادل التجاري مع دول القرن الأفريقي، وإنشاء مراكز وشركات وخدمات لتسهيل الحياة في بعض المناطق المُنتقاة بدقة، وذلك بغرض تحقيق ضمان وجودها في المنطقة، وربح مكاسب سياسية وعسكرية، وتقويض النفوذ العربي حين كان مُناهضًا لها، فيما يتم حاليًّا منع النفوذ الإيراني من التعاظم والالتقاء مع تركيا وأي قوة أخرى في القرن الأفريقي. قد يشكل نجاح الخطط الإسرائيلية في أرض الصومال وجوارها ضربة قوية لطهران وحلفائها في اليمن وفي محورها ككل، وهو أمر لا شك أنّ الإيرانيين يدركونه جيّدًا، وعلى الرغم من أن حضورهم في أفريقيا يتركز في دول أخرى غرب القارة السمراء، لكن تبقى لخطوط التماس المباشر مع بحر العرب والمحيط الهندي أهميّة كبرى لم تتغيّر منذ قرون من التاريخ وحتى اليوم.