تشهد العلاقات بين كوريا الجنوبية وإندونيسيا تحولاً نوعياً يتجاوز الروابط الثقافية والاقتصادية التقليدية نحو شراكة استراتيجية أوسع تشمل الأمن والدفاع والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بتزايد التنافس الجيوسياسي وتصاعد التحديات الأمنية.
وجاء هذا التحول مع الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى كوريا الجنوبية في الفترة بين 31 مارس و2 أبريل، حيث اتفق الجانبان على رفع مستوى العلاقات الثنائية من “شراكة استراتيجية خاصة” إلى “شراكة استراتيجية شاملة خاصة”، في خطوة تعكس رغبة البلدين في توسيع نطاق التعاون لمواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.
وارتبطت صورة كوريا الجنوبية لدى كثير من الإندونيسيين لسنوات بالموجة الثقافية الكورية، من موسيقى “كي-بوب” والدراما الكورية إلى الفنون واللغة، خاصة بعد افتتاح المركز الثقافي الكوري في جاكرتا العام 2011.
إلا أن العلاقات الثنائية تطورت تدريجياً لتتجاوز البعد الثقافي، حيث أصبحت المصالح الاقتصادية والتكنولوجية تمثل ركائز أساسية للشراكة بين البلدين، بحسب صحيفة “كوريا تايمز”.
وخلال الزيارة الرئاسية الأخيرة، وقع الجانبان أو حدثا 16 مذكرة تفاهم تغطي مجالات استراتيجية تشمل المعادن الحيوية، والتحول الرقمي، والطاقة النظيفة، وتقنيات احتجاز الكربون، والذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، ما يعكس اتجاهاً نحو بناء شراكة طويلة الأمد في القطاعات المرتبطة باقتصاد المستقبل.
استثمارات وصناعة دفاعية مشتركة
على الصعيد الاقتصادي، استفادت العلاقات الثنائية من اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين، التي دخلت حيز التنفيذ العام 2023، وأسهمت في توسيع الاستثمارات الكورية داخل إندونيسيا.
فقد عززت مجموعة “هيونادي موتور جروب” حضورها في السوق الإندونيسية من خلال إنتاج سيارة “أيونيك 5” الكهربائية في مصنعها بغرب جاوة، باستثمارات بلغت نحو 1.55 مليار دولار، ما ساهم في ترسيخ مكانة إندونيسيا كمركز صناعي إقليمي لصناعة السيارات الكهربائية.
كما أنشأت شركة KCC Glass أول منشأة إنتاجية لها خارج كوريا الجنوبية في إندونيسيا، في مؤشر على تنامي ثقة الشركات الكورية في البيئة الاستثمارية الإندونيسية.
لكن التطور الأبرز في العلاقات بين البلدين يتمثل في التعاون الدفاعي. فمشروع المقاتلة المشتركة KF-21 Boramae يعد من أكبر مشاريع التعاون العسكري بين الجانبين، مع اقترابه من المراحل النهائية للتطوير.
كما مثل تسليم الغواصة KRI Alugoro العام 2021 محطة مهمة في التعاون الدفاعي، إذ كانت أول غواصة يتم تصنيعها داخل إندونيسيا عبر نقل واسع للتكنولوجيا من شركة Hanwha Ocean الكورية الجنوبية.
شراكة لمواجهة تحديات المحيطين الهندي والهادئ.
ويرى مراقبون أن الارتقاء بالعلاقات بين سيول وجاكرتا يأتي استجابة لمتغيرات استراتيجية متسارعة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
فمع تصاعد التوترات في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، وتسارع التحديث العسكري الصيني، وتغير أولويات السياسة الأمريكية في المنطقة، باتت القوى المتوسطة تبحث عن شراكات جديدة تعزز أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.
وفي هذا السياق، توفر إندونيسيا لكوريا الجنوبية سوقاً استهلاكية ضخمة واحتياطيات مهمة من المعادن الحيوية وموقعاً استراتيجياً في قلب جنوب شرق آسيا، بينما تقدم سيول خبرات تكنولوجية وصناعية متقدمة تدعم طموحات جاكرتا في التحول الاقتصادي والصناعي.
كما ينسجم هذا التوجه مع تنامي الاعتماد على ما يعرف بـ”الشراكات المصغرة” بين الدول المتقاربة في المصالح، في ظل تراجع فعالية المؤسسات التجارية متعددة الأطراف وتزايد الضغوط على النظام الاقتصادي العالمي.
ويرى خبراء أن الشراكة الجديدة بين كوريا الجنوبية وإندونيسيا لا تقتصر على تعزيز التبادل التجاري والاستثماري، بل تمثل محاولة لبناء إطار تعاون طويل الأمد يجمع بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، ويمنح البلدين قدرة أكبر على التعامل مع التحديات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وبذلك، تنتقل العلاقات الكورية الإندونيسية من مرحلة التأثير الثقافي والقوة الناعمة إلى مستوى أكثر عمقاً، يقوم على المصالح الاستراتيجية المشتركة وبناء شراكة قادرة على الصمود في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة.