عندما تندلع الحروب، لا تتوقف الخسائر عند حدود المنازل المدمرة والطرق المقطوعة، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس. فخلف كل متجر أغلق أبوابه، هناك عائلة فقدت مصدر رزقها، وخلف كل مزرعة توقفت عن الإنتاج، هناك عامل لم يعد يعرف كيف سيؤمن مصروف يومه التالي. ويقول أحد أصحاب المتاجر في الجنوب اللبناني إن المشكلة لم تكن فقط في إغلاق المحل، بل في توقف دورة الحياة كاملة. “عندما يغيب الناس، يغيب الزبائن، وعندما يغيب الزبائن لا يعود هناك عمل ولا دخل”.
هذه العبارة تختصر واقعاً عاشته مئات المؤسسات الصغيرة التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي. في القرى والبلدات الجنوبية التي عاشت أشهراً طويلة تحت وطأة القصف والتهديد الأمني، تغيرت حياة الآلاف بين ليلة وضحاها. موظفون وعمال وأصحاب مؤسسات صغيرة وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل، بعدما أُغلقت الشركات والمحال التجارية وتراجعت الحركة الاقتصادية إلى أدنى مستوياتها. لم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي من منطقة إلى أخرى، بل كان انتقالاً قسرياً من حياة مستقرة نسبياً إلى حياة مليئة بالقلق وعدم اليقين.
فالكثير من العائلات التي غادرت منازلها فقدت في الوقت نفسه وظائفها ومصادر دخلها.المعلم الذي كان يعمل في مدرسة قريبة من منزله، والعامل الذي كان يتوجه يومياً إلى ورشة البناء، وصاحب المطعم الذي يعتمد على زبائن بلدته، جميعهم وجدوا أنفسهم أمام سؤال واحد: كيف سنعيش غداً؟ ومع تصاعد تكاليف الإيجارات والنقل والسلع الأساسية، أصبحت الأعباء المعيشية أكثر قسوة على الأسر النازحة، التي وجدت نفسها مضطرة إلى استنزاف مدخراتها أو الاعتماد على المساعدات لتغطية احتياجاتها الأساسية.
وتزداد هذه المعاناة مع محدودية فرص الدخل وارتفاع الأسعار، ما يضع آلاف العائلات أمام تحديات يومية لتأمين السكن والغذاء والرعاية الصحية، وسط مخاوف من تفاقم معدلات الفقر وتراجع مستويات المعيشة. وفي الظروف الطبيعية يبحث الناس عن وظيفة مستقرة توفر لهم الأمان والدخل المنتظم. أما في زمن الحرب، فتتغير المعايير بالكامل، يصبح الهدف الأول هو تأمين أي مصدر دخل، مهما كان متواضعاً أو مؤقتاً. كثيرون لجأوا إلى العمل باليومية، فيما اتجه آخرون إلى بيع منتجات منزلية أو تقديم خدمات بسيطة أو العمل في التوصيل والنقل.
وبعض العائلات حولت غرفاً في منازلها إلى ورش صغيرة لإنتاج الطعام أو الأشغال اليدوية من أجل تأمين الحد الأدنى من المصاريف. هذا الواقع يجسد ما يُعرف بـ”اقتصاد البقاء”، حيث تتراجع خطط التطوير المهني وتحسين مستوى المعيشة أمام الحاجة الملحة لتأمين المتطلبات الأساسية.
ومع انكماش فرص العمل الرسمية وتباطؤ النشاط الاقتصادي، يتوسع الاقتصاد غير الرسمي بوتيرة متسارعة، مستوعباً أعداداً متزايدة من الباحثين عن مصادر دخل بديلة، رغم ما يرافق ذلك من تدني الأجور وغياب الاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية. ففي فترات الأزمات، تظهر عشرات الأنشطة الصغيرة التي لا تخضع للتسجيل أو الرقابة أو الأنظمة الضريبية.
فالبائع المتجول، وسائق التوصيل المستقل، وصاحب الصفحة التجارية على وسائل التواصل الاجتماعي، والعامل الموسمي، جميعهم أصبحوا جزءاً من شبكة اقتصادية واسعة نشأت نتيجة الحاجة. لكن هذا النوع من العمل يحمل في داخله الكثير من الهشاشة. فالعامل لا يمتلك ضماناً صحياً ولا تعويضات ولا حماية قانونية، ما يجعله عرضة لخسارة مصدر دخله في أي لحظة. وسط هذا المشهد الصعب، برز العمل الرقمي بوصفه أحد الحلول التي ساعدت بعض الشباب على تجاوز آثار الحرب. فمع توفر الإنترنت، ولو بشكل متقطع أحياناً، تمكن عدد متزايد من اللبنانيين من العمل مع شركات أو أفراد خارج البلاد.
الترجمة والتصميم والبرمجة وإدارة الصفحات الإلكترونية وصناعة المحتوى أصبحت مصادر دخل جديدة للكثير من الشباب، الذين وجدوا في العالم الرقمي مساحة لا تتأثر مباشرة بالحدود الجغرافية أو التوترات الأمنية. ورغم أن هذه الفرص لا تشمل الجميع، فإنها ساعدت بعض الأسر على الصمود في ظل الانهيار الاقتصادي والظروف الأمنية الصعبة.
وفي مقابل هذا الواقع القاسي، أظهر العديد من المجتمعات المحلية قدرة لافتة على التكيف مع الظروف الاستثنائية. فقد نشأت مبادرات فردية وجماعية هدفت إلى خلق فرص عمل بديلة وتبادل الخدمات بين السكان، سواء من خلال التعاونيات الصغيرة أو الأسواق المحلية أو المشاريع المنزلية التي اعتمدت على المهارات الفردية. وربما يكون الشباب هم الفئة الأكثر تأثراً بهذه التحولات.
فالكثير منهم يدخلون سوق العمل في مرحلة تُعتبر من الأصعب منذ سنوات، حيث تتراجع الاستثمارات وتقلّ فرص التوظيف وتتزايد المنافسة على الوظائف المحدودة. بالنسبة إلى هؤلاء، لم يعد الحلم يقتصر على الحصول على وظيفة جيدة، بل أصبح العثور على وظيفة مستقرة بحد ذاته إنجازاً. ولذلك تتزايد رغبة الكثيرين في الهجرة أو البحث عن فرص خارج البلاد، هرباً من واقع اقتصادي وأمني لا يوفر لهم رؤية واضحة للمستقبل. كما تُظهر التجارب أن آثار الحرب على سوق العمل لا تنتهي مع توقف القتال. فالوظائف التي تُفقد تحتاج إلى سنوات كي تعود، والمؤسسات التي أغلقت أبوابها تحتاج إلى تمويل وثقة كي تستأنف نشاطها، فيما يحتاج العمال إلى وقت طويل لاستعادة استقرارهم المالي والنفسي.
في المحصلة، لا تقتصر كلفة الحرب على الأضرار المادية التي تلحق بالمباني والبنى التحتية، بل تمتد إلى سوق العمل ومصادر الدخل والاستقرار المعيشي للأسر. فكل وظيفة تُفقد تعني تراجعاً في قدرة عائلة على تأمين احتياجاتها، وكل مؤسسة تتوقف عن العمل تترك أثراً على عشرات العاملين المرتبطين بها بشكل مباشر أو غير مباشر. وبينما يمكن إعادة إعمار الحجر خلال سنوات، فإن استعادة الفرص الاقتصادية والثقة بالمستقبل تتطلب وقتاً أطول وجهوداً أكبر. لذلك تبقى الخسارة الأعمق للحرب في تأثيرها على حياة الناس ومساراتهم المهنية وقدرتهم على بناء مستقبل أكثر استقراراً.